المستجير من المرض.. هل يصبح مستجيرًا من التأمين الصحي؟
بقلم أ.د. صلاح الدين الساعي
الصحة ليست رفاهية تُمنح للمواطن، وإنما حق أصيل وأساسي لا يجوز أن يصطدم عند أبواب المستشفيات بعراقيل الإجراءات أو قسوة الانتظار أو نقص العلاج.
ومن هنا، فإن تطوير منظومة التأمين الصحي يجب ألا يتوقف عند إنشاء المباني وزيادة أعداد المنشآت والخدمات، بل يجب أن يصل إلى قلب المعاناة الحقيقية للمريض: هل يجد الخدمة بسهولة؟ هل يحصل على علاجه في الوقت المناسب؟ وهل يشعر أنه إنسان له كرامة وحق، وليس مجرد رقم في طابور طويل؟
أنا أستاذ جامعي.. فما بال المواطن البسيط؟
أتحدث هنا من واقع تجربة شخصية؛ فأنا أستاذ بالجامعة وعميد كلية، ومع ذلك أجد في بعض الأحيان صعوبة في بعض الإجراءات أو الوصول إلى الخدمة التي أحتاجها.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة:
إذا كان من يملك قدرًا من المعرفة والخبرة والمكانة الوظيفية قد يواجه هذه الصعوبات، فكيف يكون حال المواطن البسيط الذي لا يملك واسطة معرفة، ولا يستطيع الوصول إلى من يختصر له الطريق؟
إنها ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل قضية تستحق أن توضع تحت المجهر.
فالزحام الشديد في بعض منشآت التأمين الصحي، ونقص أماكن الانتظار والكراسي، وتحمل كبار السن والمرضى مشقة الوقوف والانتظار، كلها مشاهد تحتاج إلى تدخل حقيقي وسريع.
والحل ليس مستحيلًا؛ فالتوسع في إنشاء المستشفيات والمراكز الطبية، ودراسة فكرة تخصيص منشآت تأمين صحي متخصصة للتخصصات المختلفة، يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط ورفع كفاءة الخدمة.
العلاج.. معركة أخرى يخوضها المريض!
أما ملف الدواء، فهو واحد من أكثر الملفات إلحاحًا.
فليس من المنطقي أن يصل المريض إلى التأمين الصحي بحثًا عن العلاج، ثم يجد نفسه مضطرًا في بعض الحالات إلى شراء الدواء من ماله الخاص وبأسعار ترهق ميزانيته.
وتزداد المأساة عندما نتحدث عن مرضى السرطان الذين يحتاجون إلى علاجات مرتفعة التكلفة، أو عن مريض يضطر إلى شراء مستلزم طبي بسيط غير متوفر، رغم أن قيمته المادية قد تبدو محدودة، لكنها بالنسبة لمريض أنهكته رحلة العلاج تمثل عبئًا جديدًا فوق أعبائه.
المريض لا يحارب المرض فقط، بل يخوض أحيانًا معركة أخرى بحثًا عن الدواء والخدمة والمستلزمات.
ولكن.. للإنصاف كلمة!
ورغم كل ما سبق، فإن الإنصاف يقتضي ألا نضع الجميع في سلة واحدة.
فداخل منظومة التأمين الصحي نماذج مضيئة تستحق الإشادة، وتثبت أن الرحمة جزء أصيل من المهنة الطبية.
ومن النماذج التي أقدرها وأثمن دورها: أطباء وتمريض لجنة أمراض الدم بكفر الدوار، ومدير التأمين الصحي، وهيئة التمريض، وأطباء الصيدليات في تأمين أبو الريش بدمنهور، وكذلك أطباء مستشفى المواساة بالإسكندرية، وغيرهم ممن يؤدون رسالتهم بمسؤولية وإخلاص وإنسانية.
هؤلاء يؤكدون أن الطبيب والممرض والصيدلي لا يقدمون للمريض دواءً فحسب؛ فالمريض يحتاج أيضًا إلى كلمة طيبة، وابتسامة، ومعاملة راقية، وشعور بأن هناك من يفهم ألمه ويحترم معاناته.
النقد ليس هدمًا.. بل جرس إنذار
إن طرح هذه الملاحظات لا يستهدف الهدم أو التقليل من حجم الجهود التي تبذلها الدولة في تطوير القطاع الصحي، وإنما هو صرخة من داخل المنظومة، ودعوة صادقة إلى الإصلاح والتطوير.
المريض يريد مستشفى قريبًا، وخدمة واضحة وسريعة، ودواءً متوفرًا، ومكان انتظار آدميًا، ومعاملة تحفظ كرامته.
يريد ببساطة أن يشعر أن الدولة تقف إلى جواره في أصعب لحظات حياته.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير من الشرح:
من يذهب إلى التأمين الصحي هو في الأصل مستجير من المرض.. فلا ينبغي أن يجد نفسه مستجيرًا من التأمين الصحي!

إرسال تعليق