U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

الموبايل.. حين انتصر الجهاز على الإنسان! ثلاثون عامًا غيّرت وجه الحياة.. فهل ربحنا التكنولوجيا وخسرنا الإنسانية؟

الموبايل.. حين انتصر الجهاز على الإنسان!
ثلاثون عامًا غيّرت وجه الحياة.. فهل ربحنا التكنولوجيا وخسرنا الإنسانية؟

بقلم الإعلامي الدكتور رأفت عبده

منذ نحو ثلاثين عامًا، دخل الهاتف المحمول حياتنا باعتباره وسيلة لتقريب المسافات وتسهيل التواصل بين البشر، لكن مع مرور الزمن تحوّل من خادم للإنسان إلى سيدٍ يتحكم في يومه وعلاقاته، حتى أصبح كثيرون يعيشون مع شاشة صغيرة أكثر مما يعيشون مع أسرهم وأحبائهم.


في الماضي، كان هناك هاتف واحد في المنزل، وربما كان يخدم منطقة كاملة، ومع ذلك كانت البيوت عامرة بالمحبة، والجلسات العائلية لا تنقطع، والزيارات بين الأقارب عادة لا تغيب، والجميع يعرف الجميع. أما اليوم، فأصبح لكل فرد رقمه الخاص وعالمه المغلق، حتى بات أفراد الأسرة الواحدة يجلسون في غرفة واحدة، لكن كل منهم يعيش داخل شاشة هاتفه، وكأن بينهم جدرانًا لا تُرى.


لقد قرّب الهاتف المحمول العالم بأكمله، لكنه في المقابل أبعد أقرب الناس إلينا. 

أصبح الإنسان يعرف أخبار أشخاص يعيشون في أقصى الأرض، بينما قد يجهل أحوال جاره أو حتى أفراد أسرته. وانشغل الكثيرون بالإعجابات والتعليقات والمتابعين، على حساب الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والحديث المباشر الذي يصنع الدفء الإنساني.


لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا حققت إنجازات عظيمة وسهّلت التعليم والعمل والتواصل، لكن المشكلة ليست في الهاتف نفسه، بل في طريقة استخدامه. فعندما يسرق الموبايل وقتنا، ويقتل الحوار داخل الأسرة، ويجعل الأطفال يكبرون بعيدًا عن أحضان آبائهم وأمهاتهم، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟


إن الأسرة التي كانت تجتمع حول مائدة واحدة وتتبادل الحديث والضحكات، أصبحت اليوم تجتمع بالأجساد فقط، بينما العقول والقلوب تائهة بين التطبيقات والمنصات. 

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن انهيار العلاقات الأسرية يبدأ بصمت، ثم يتحول إلى عزلة، ثم إلى مجتمع يفتقد الدفء والرحمة.


لسنا ضد التقدم ولا ضد التكنولوجيا، ولكننا مع إعادة الإنسان إلى مكانه الطبيعي قبل أن يصبح مجرد رقم على شاشة، أو صورة في حساب إلكتروني، أو متابعًا في عالم افتراضي.


فلنستخدم الهواتف بأيدينا، لا أن تستخدمنا هي. ولنجعل التكنولوجيا وسيلة لبناء العلاقات، لا سببًا في هدمها. فالإنسانية كانت وستظل أعظم من أي جهاز، وأغلى من أي تطبيق، وأبقى من أي شاشة مضيئة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة