المستشار طارق سلامة يكتب ( وبشر الصابرين )
يمتحن الله دوما عباده المؤمنين بشتى أنواع الابتلاءات خيرها وشرها وأمرهم بالصبر عليها لحكمة لا يعلمها الا هو ، فتدبيره أمور محكمات قل من يفهمها ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون )، ( ولنبلونكم بشيئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين )... والصبر فى اللغه هو المنع وحبس النفس وكبح جماحها عما اعتادته من الرغائب والشهوات ...
ومقام الصبر من أجل واعظم مقامات الإيمان وبه يرتقى العبد الصالح لدرجات ومقامات لا يحظاها بكثرة الطاعات والمجاهدات المختلفات ،وقد نوه لذلك ساداتنا الكرام أن ( الابتلاء جزء من النبوه ومن لم يأخذ حظه من البلاء لم يأخذ حظه من النبوه ) ، فاذا ابتلى الله عبده نظر إليه بعين المراقبه لمعرفة حقيقة ايمانه وهل سيقابل عطاء ربه جل وعلا بالصبر والشكر ، ام بالسخط والنفور والجذع ( سننظر اصدقت أم كنت من الكاذبين ) ، وقال جل وعلا فى محكم آياته ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإذا أصابه خير اطمأن به ، وان اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين ) ..
وللصبر انواع : فصبر على طاعة الله ، وما أمر الله به عباده المؤمنين من أداء الفرائض وأركان العبادات فى مواعيدها مثل الصلاه ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) أوصيام شهر رمضان ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) أو أيتاء الزكاه بنصابها المحدد شرعا ،
هذا الصبر على أداء الفرائض اضف الى ذلك الصبر على القيام بالنوافل مقربة من رب الارباب ، قال تعالى فى حديثه القدسي ( لا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه .......تكملة الحديث )وقال تعالى ( واللذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين )
فصبر العبد الصالح على طاعة ربه يرقى به إلى درجات القرب والوصال حيث حضرة الانس والشهود ...
وصبر عن المعصيه وذلك بكبح جماح نفسه ومنعها من الغوص في ملذاتها وطاعة ربه فيما أمر ونهى ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار ) ..
وصبر العبد على قضاء الله وقدره فالعبد إذا أراد الله عز وجل أن يرقيه الى درجه أو مقاما لن يبلغه بكثرة العبادات والمجاهدات فيبتليه فى نفسه أو ماله أو اهله وولده فإذا وجده صابرا محتسبا شاكرا اجتباه ولمقام القرب والانس والشهود رقاه حيث لا اين ولا بين فتقع العين على العين ..
وقد جاء في الاثر أن الله تعالى إذا ابتلى عبده أمر ملائكته أن أنظروا إلى حال عبدى ماذا وجدتموه ؟ فتقول الملائكة يآرب وجدناه صابراً شاكرا ، فيقول عز وجل : ابنوا لعبدى بيتا في الجنه وسموه بيت الحمد ، يقول تعالى ( والصابرين في الباساء والضراء وحين الباس أولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون ) ..
وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال : اتقى الله واصبرى ، فقالت : اليك عنى فانك لم تصب بمصيبتى ، ولم تعرفه ، فقيل لها : أنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم اعرفك ، فقال : ( إنما الصبر عند الصدمه الاولى )..
وقد بشر الله عز وجل عباده الصابرين بأنه يصلى عليهم وصلاته عز وجل عليهم تكون على قدر ربوبيته ورحمة منه وهداية لهم في الدارين ( وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وانا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمه وأولئك هم المهتدون ) وقال صلى الله عليه وسلم ( إن عظم الجزاء من عظم البلاء وأن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضى فله الرضى ، ومن سخط فله السخط ) ...رواه الترمذي
وقد أمر الله عباده الصالحين بالصبر حذوة واقتداءا باولوا العزم من الرسل ( واصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل )
فقد ابتلى الله جميع انبياءه ورسله وأولياءه الصالحين وعلى رأسهم إمام البريه وسيد الخلائق أجمعين سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه والذى صبر على إيذاء قومه وتكذيبهم لرسالته وتنكيلهم به ذهابا وايابا والذين سعوا جاهدين لمحق رسالته ، فكان صابراً محتسبا حتى قيل له ادعوا عليهم يا رسول الله ، فأبى قائلا : ربما تخرج من اصلابهم ذرية تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ،
وأيضا صبره صلى الله عليه وسلم على الطاعات وأداء العبادات ، فكان يقيم الليل بين يدى ربه حتى تورمت قدماه ، وعندما تعجب أصحابه من ذلك قائلين : يا رسول الله اتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! فقال لهم : أفلا اكون عبدا شكورا ..؟!!
ومن أعظم الامثله فى الصبر على البلاء صبر نبي الله ايوب عليه السلام ، والذى امتحنه الله بالمرض في جسده وفقده لولده فلم يجذع وانما كان أوابا شديد الرجوع إلى ربه ونعته ربه بالعبد حيث توافرت فيه اركان العبوديه ( وايوب إذ نادى ربه ربى أنى قد مسنى الضر وانت ارحم الراحمين ) وقال تعالى ( انا وجدناه صابراً نعم العبد انه اواب )
ولا نغفل صبر ابو الانبياء سيدنا ابراهيم عليه السلام على تعذيب النمرود له ، والقاءه في النار ( فقلنا يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم ) فلم يقابل امتحان ربه الا صابرا شاكرا محتسبا ..
وكذلك صبر سيدنا موسى عليه السلام والذى صبر على إيذاء فرعون وقومه وايذاؤهم له ، وصبر سيدنا يوسف عليه السلام على الوقوع في المعصية مع زليخه كابحا جماح نفسه شاكرا ( وراودته التى هو في بيتها عن نفسه وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربى احسن مثواى أنه لا يفلح الظالمون ) وبعد زجه في السجن صابرا محبا لقضاء الله فيه ( قال ربى السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه....)
مقرا بفضل وجود ربه عليه هو وأخيه ( قال أنا يوسف وهذا اخى قد من الله علينا إنه من يتقى ويصبر فإن الله لا يضيع اجر المحسنين )
ولا يمكننا أن نغفل صبر آل بيت سيدنا النبى وعلى رأسهم عقيلة بنى هاشم السيده زينب بنت الامام علي رضى الله عنهما وعن كل ساداتنا من أهل بيت النبوه الكرام الاطهار والذين شاهدوا برأي العين فاجعة كربلاء وزج راس الحسين شهيد كربلاء وأمام الشهداء على يد ارذل خلق الله وادناهم واحطهم

إرسال تعليق