U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

زيارة المحافظ للمدرسة تتحول إلى «محاكمة أمام الكاميرات».. رسالة نارية من ا.د. صلاح الدين الساعي: قبل أن تُعاقب المدير اسأل أولًا ماذا أعطيته؟

 زيارة المحافظ للمدرسة تتحول إلى «محاكمة أمام الكاميرات».. رسالة نارية من ا.د. صلاح الدين الساعي: قبل أن تُعاقب المدير اسأل أولًا ماذا أعطيته؟

«التعليم لا يُصلح بالتوبيخ.. والمحاسبة الحقيقية تبدأ بتحديد المسؤولية»

كتب – أ.د/ صلاح الدين الساعي



مع اقتراب انطلاق العام الدراسي، تتجه الأنظار إلى المدارس، وتتكثف الجولات الميدانية للمحافظين والمسؤولين للاطمئنان على جاهزية المنشآت التعليمية، ومتابعة مستوى الاستعداد لاستقبال الطلاب.


ولا أحد يختلف على أهمية هذه الزيارات، بل إنها تمثل أحد أهم أدوات الرقابة والمتابعة، لكن هناك مشهدًا يتكرر أحيانًا ويستحق التوقف أمامه: زيارة تبدأ بتفقد الفصول والفناء ودورات المياه، وتنتهي أمام الكاميرات بتوبيخ مدير المدرسة وتعنيفه.


وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:


هل نحن أمام محاسبة حقيقية.. أم أمام مشهد إعلامي للحزم؟


بدايةً، لا بد من التأكيد أن مدير المدرسة ليس فوق المحاسبة، وأن أي تقصير مثبت يجب أن يواجه بكل حسم، خصوصًا إذا كان التقصير ناتجًا عن سوء إدارة أو إهمال أو إساءة استخدام للموارد والإمكانات المتاحة.


لكن العدالة تفرض علينا في الوقت نفسه أن نسأل قبل إصدار الأحكام:


ماذا أعطينا مدير المدرسة حتى نطالبه بكل هذه النتائج؟


هل وفرنا له العمالة المطلوبة؟

هل وصلت المقاعد والتجهيزات؟

هل جرى تنفيذ أعمال الصيانة في موعدها؟

هل تم توفير المستلزمات الأساسية؟

وهل يمتلك مدير المدرسة سلطة اتخاذ القرار في كل هذه الملفات؟


إذا كانت بعض هذه الاحتياجات خارج نطاق صلاحياته، فهل من العدل أن يتحمل وحده مسؤولية نتائج لا يملك أدوات تحقيقها؟


لا تجعلوا مدير المدرسة شماعة!


هناك فارق كبير بين المسؤول الذي يقصر رغم توافر الإمكانات، وبين المسؤول الذي يعمل في ظروف صعبة ويحاول إدارة مدرسة تعاني نقصًا في الموارد والعمالة والتجهيزات.


الأول يجب أن يحاسب، وبلا تردد.


أما الثاني فيحتاج أولًا إلى الدعم، ثم المتابعة، ثم المحاسبة على ما يقع بالفعل داخل نطاق مسؤولياته.


فإذا كانت المدرسة قد حصلت على مخصصات مالية ولم تُستخدم وفقًا للقواعد، فهنا يجب فتح باب المساءلة والتحقيق وتحديد المسؤولية بدقة.


أما إذا كان الخلل بسبب احتياجات لم تصل أصلًا، أو أعمال صيانة لم تنفذ، أو نقص في العمالة لا يملك مدير المدرسة قرار تعويضه، فإن تحويل المدير إلى المتهم الأول لا يمثل عدالة، بل قد يكون تحميلًا للمسؤولية في غير محلها.


والكاميرات ليست محكمة!


الأكثر خطورة أن تتحول بعض الزيارات إلى مشاهد مصورة تنتشر سريعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيصبح التوبيخ مادة للتداول والمشاهدة، بينما تتراجع القضية الأساسية إلى الخلف:


كيف نعالج المشكلة؟


المسؤول القوي لا يحتاج إلى رفع صوته حتى يثبت أنه قوي.


والقيادة الحقيقية لا تقاس بعدد الأشخاص الذين تم توبيخهم أمام الكاميرات، وإنما تقاس بعدد المشكلات التي تم حلها على أرض الواقع.


فما قيمة أن يخرج مدير المدرسة من الزيارة محرجًا أمام العاملين والطلاب، بينما تظل المشكلة التي دفعت المسؤول إلى الزيارة قائمة كما هي؟


المحاسبة الحقيقية تبدأ بعد انتهاء التصوير


نحن بحاجة إلى نموذج مختلف للزيارات الميدانية.


محافظ يدخل المدرسة، يرى المشكلة، يستمع إلى مديرها، يسأل عن الإمكانات المتاحة، ويحدد بدقة:


ما الذي يستطيع مدير المدرسة إنجازه؟

ما الذي تحتاجه المدرسة من الإدارة التعليمية؟

وما الذي يحتاج إلى تدخل المحافظة؟

وما الذي يقع على عاتق الوزارة؟


ثم تأتي الخطوة الأهم:


المتابعة.


يجب أن يعود المسؤول بعد فترة ليرى ماذا تم إنجازه، ومن نفذ، ومن تقاعس، ومن كانت لديه الإمكانات ولم يستخدمها.


هنا فقط تصبح المحاسبة ذات معنى.


نريد إصلاح التعليم.. لا صناعة مشاهد!


إن إصلاح التعليم لا يبدأ من أمام الكاميرات، ولا ينتهي بانتهاء الجولة التفقدية.


الإصلاح الحقيقي يبدأ بتوفير الإمكانات، ووضع المسؤولية في يد صاحب القرار، ثم محاسبة كل مسؤول على ما يدخل بالفعل في نطاق اختصاصه.


نحن لا ندافع عن المقصر، ولا نطالب بإعفاء أحد من المحاسبة.


بل نطالب فقط بأن تكون المحاسبة عادلة، والمسؤولية محددة، والجزاء مرتبطًا بالفعل بالصلاحيات والإمكانات.


فليس من العدل أن نحاسب مدير مدرسة على شيء لا يملك توفيره، كما أنه ليس من المقبول أن نغض الطرف عن مدير يملك الإمكانات ولا يحسن استخدامها.


الخلاصة


قبل أن تُعاقب مدير المدرسة.. اسأل أولًا: ماذا أعطيته؟


ثم اسأله: ماذا فعلت بما أعطيناك؟


هنا فقط تتحقق العدالة.


أما أن يتحول مدير المدرسة إلى شماعة لكل أوجه القصور، وأن تصبح الكاميرات شاهدًا على مشهد توبيخ، فهذا لا يصلح تعليمًا ولا يبني مؤسسة.


فالهيبة الحقيقية للمسؤول ليست في تعنيف موظف أمام الكاميرات، وإنما في قدرته على حل المشكلة، وإنصاف المظلوم، ومحاسبة المقصر، ومتابعة التنفيذ حتى النهاية.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة