U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

وجوهٌ تبتسم... وألسنةٌ تزرع الشقاق.. وعندما يسقط القناع تظهر الحقيقة


وجوهٌ تبتسم... وألسنةٌ تزرع الشقاق.. وعندما يسقط القناع تظهر الحقيقة
وجوهٌ تبتسم... وألسنةٌ تزرع الشقاق.. وعندما يسقط القناع تظهر الحقيقة

بقلم: الإعلامي رأفت عبده

ليست كل الابتسامات صادقة، وليست كل المصافحات تحمل الوفاء، فهناك من أتقن فن ارتداء الأقنعة حتى أصبح يبدو للجميع صديقًا وفيًا، بينما هو في الحقيقة أخطر من عدوٍ يُعلن خصومته. 

إنه ذلك الإنسان الذي يزرع الفتنة بين الناس، ويغذي الخلافات، ويشعل نار الكراهية، ثم يقف بعيدًا يتظاهر بالحكمة والبراءة، وكأنه لا يعلم شيئًا عما حدث.

إن أحقر أنواع البشر ليس من يختلف معك في الرأي، ولا من يواجهك بالحقيقة مهما كانت قاسية، بل ذلك الذي ينقل الكلام بين الناس، ويزيد عليه، ويحذف منه، ويغير معناه حتى تتحول المودة إلى عداوة، والثقة إلى شك، والمحبة إلى خصومة لا تنتهي.

هذا الصنف يعيش على الأزمات، ويتغذى على انهيار العلاقات.

 فإذا رأى صديقين متحابين، سعى للتفريق بينهما، وإذا وجد أسرة يسودها الود، حاول أن يزرع فيها الشك، وإذا شاهد فريق عمل ناجحًا، بحث عن ثغرة ليزرع الفتنة بين أفراده.

 فهو لا يطيق رؤية النجاح أو الاستقرار، لأن راحته الحقيقية تكمن في الفوضى والخلاف.

والأخطر من ذلك أنه يتقن التلون؛ فهو مع كل شخص بوجه مختلف، ولكل مجلس حديث مختلف، ولكل موقف رواية جديدة. 

يوزع الوعود والكلمات المعسولة، ويمنح كل طرف شعورًا بأنه الأقرب إليه، بينما يدير في الخفاء شبكة من الإشاعات والهمسات التي تمزق العلاقات وتنسف الثقة بين الناس.

لقد علمتنا الحياة أن العدو الواضح أقل خطرًا من الصديق المزيف، لأن العدو تعرف كيف تحذر منه، أما المتخفي خلف قناع المحبة فإنه يتسلل إلى القلوب، ويستغل الثقة ليطعنها من الداخل.

إن الفتنة لا تبدأ بحرب، بل تبدأ بكلمة. كلمة قد تبدو صغيرة، لكنها تتحول إلى نار تأكل الأخضر واليابس إذا وجدت من ينفخ فيها. 

ولهذا كان نقل الشائعات وإثارة الخلافات من أخطر السلوكيات التي تهدد تماسك الأسر والمجتمعات.

والإنسان الشريف لا يجد سعادته إلا في الإصلاح، وجمع القلوب، وإطفاء نيران الخلاف، أما صانع الفتنة فلا يهدأ له بال إلا إذا رأى المحبة قد تحولت إلى خصومة، والثقة إلى شك، والأخوة إلى قطيعة. إنه يعيش على تمزيق الصفوف، ويعتبر نجاحه الحقيقي هو سقوط الآخرين في مستنقع الخلاف.

ومهما طال الزمن، فإن الأقنعة لا تدوم، والحقيقة لا تموت.

 فسرعان ما تنكشف الوجوه، ويعرف الناس من كان صادقًا، ومن كان يختبئ خلف كلمات المودة ليغرس خناجر الفتنة في ظهور الأبرياء. 

فالتاريخ لا يحفظ أسماء مروجي الفتن إلا بسوء الذكر، بينما يخلد المصلحين بما تركوه من أثر طيب بين الناس.

إن حماية المجتمع مسؤولية الجميع، فلا تمنح أذنك لكل ناقل حديث، ولا تصدق كل رواية قبل التحقق منها، ولا تسمح لأحد أن يزرع الشك في قلبك تجاه من عرفتهم بالصدق والوفاء. 

فكم من بيوت هُدمت، وصداقات انتهت، وأرحام تقطعت، بسبب شخص لم يجد لذة في حياته إلا بإشعال نار الفتنة.

وفي الختام... يبقى الإنسان الصادق منارةً للأخلاق، ويبقى المصلح هو من يجمع القلوب ولا يفرقها، أما صانع الفتنة الذي يتظاهر بأنه صديقٌ للجميع فلن يحصد في نهاية المطاف إلا العزلة وسوء الذكر، لأن من يزرع الفتنة بين الناس لا يجني إلا شوك الندم، بينما يظل الحق والمحبة والصدق أقوى من كل الأقنعة، وأبقى من كل الأكاذيب.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة