كيف أدارت مصر أخطر لحظات التوتر بين واشنطن وطهران؟
بقلم رأفت عبده
في لحظةٍ بدا فيها العالم وكأنه يقف على حافة هاوية، حيث تصاعد التوتر بين و إلى مستويات غير مسبوقة، كانت العيون مشدودة إلى احتمالات الانفجار، والقلوب معلّقة بين الحرب والهدنة. لكن بعيداً عن صخب التصريحات وضجيج المنصات، كانت هناك قوة تتحرك بصمت… ترسم خيوط المشهد من خلف الستار. تلك القوة كانت .
لم تكن القاهرة في واجهة المشهد، ولم تسعَ إلى تصدر العناوين، لكنها كانت حاضرة في عمق الأزمة، حيث تُصنع التحولات الحقيقية. وبينما تعثرت قنوات الاتصال، وتصلبت المواقف، وارتفعت حدة الخطاب السياسي، بدا وكأن المنطقة تُدفع دفعاً نحو مواجهة مفتوحة قد تلتهم الأخضر واليابس.
في تلك اللحظات الحرجة، تحركت الدبلوماسية المصرية بذكاء نادر، معتمدة على خبرة متراكمة في إدارة الملفات المعقدة، وقدرة فريدة على التواصل مع جميع الأطراف دون استثناء. لم تكن الوساطة المصرية مجرد محاولة تقليدية للتهدئة، بل كانت عملية تفكيك دقيقة لعقد الأزمة، وإعادة بناء جسور الثقة التي انهارت تحت وطأة التصعيد.
من داخل كواليس ، خرجت إشارات واضحة تؤكد أن الدور المصري لم يكن هامشياً، بل كان محركاً أساسياً لمسار التهدئة. القاهرة أعادت صياغة قواعد اللعبة، ونقلت المفاوضات من حافة الانفجار إلى مساحة أكثر توازناً، حيث يمكن للعقل أن يتغلب على لغة السلاح.
المفاوضات التي دارت لم تكن مجرد احتواء أزمة عابرة، بل كانت لحظة فاصلة كادت أن تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله. مواجهة شاملة كانت تلوح في الأفق، كفيلة بإشعال أزمات اقتصادية وسياسية تمتد آثارها لعقود، وتفتح أبواباً لفوضى يصعب احتواؤها.
غير أن مصر اختارت طريقاً مختلفاً… طريق التأثير الهادئ. لم تعتمد على استعراض القوة، بل على قوة التأثير. نجحت في تقديم مخرج سياسي متوازن، منح جميع الأطراف فرصة للتراجع دون خسائر كبرى، بما في ذلك الإدارة الأمريكية التي كانت تبحث عن صيغة تجمع بين الحزم والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.
الهدنة التي أُنجزت، وإن بدت مؤقتة، كانت بمثابة صمام أمان أنقذ المنطقة من الانفجار، ومنحتها فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق. وأثبتت، مرة أخرى، أن السياسة حين تُدار بحكمة يمكن أن تنتصر على صوت المدافع.
ما حدث لم يكن مجرد نجاح دبلوماسي عابر، بل تأكيد جديد على أن الدور المصري يُقاس بعمق تأثيره لا بارتفاع صوته. فعندما تتعقد المشاهد وتُغلق الأبواب، تبقى القاهرة حاضرة… تملك مفاتيح الحل، وتعرف متى وكيف تستخدمها.
هكذا تثبت مصر، من جديد، أنها ليست مجرد لاعب إقليمي، بل ركيزة توازن حقيقية، وصمام أمان في معادلة مضطربة. وفي لحظة كانت قد تُسجل كواحدة من أخطر لحظات التاريخ المعاصر، نجحت القاهرة في تغيير المسار… من شفا الحرب إلى أفق التهدئة.

إرسال تعليق