U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

حين تضيق الدنيا بأسوار من البشر.. "احترس من الحليم إذا غضب"

 حين تضيق الدنيا بأسوار من البشر.. "احترس من الحليم إذا غضب"

بقلم رأفت عبده 

في أوقات الأزمات الكبرى، قد يجد الإنسان نفسه أمام مشهد عبثي، حيث يتقلص العالم الفسيح ليصبح بمقاس خطواته المتعثرة. ليست الأزمة هنا في ضيق ذات اليد أو عثرات الحياة التقليدية، بل في ذلك "الاختناق المنظم" الذي يُفرض على المرء حين تُوصد في وجهه الأبواب التي كانت يوماً مواربة، وتتحول الوجوه التي كانت تبسم له بالأمس إلى "عدسات" ترصد خطاه في الطرقات، وتحصي عليه أنفاسه وسكناته بغير وجه حق.


إن ما يمكن وصفه بـ "الحصار النفسي" يعد من أقسى أنواع الحروب التي قد يواجهها الفرد؛ ففيها لا يكون العدو واضحاً، بل هو ضباب كثيف من الشائعات وتشويه السمعة التي تُنتهك في مجالس الغيبة بدم بارد. إن الهجوم الممنهج على سمعة الشرفاء ليس سوى اعتراف ضمني بعجز المتربصين عن النيل من جوهر الشخص، فلجأوا مكرهين إلى محاولة تشويه غلافه الخارجي أمام المجتمع.


وفي تلك اللحظات الحرجة، حين تضيق الحلقة وتصل الروح إلى الحلقوم، قد يهمس اليأس في أذن المظلوم ليدفعه نحو "قرار مجنون" أو تصرف انفعالي يحرق الأخضر واليابس. وهنا نوجه رسالة تحذيرية لكل من يمارس هذا الضغط: اتقوا شر النفوس الأبية، فالتاريخ يعلمنا دائماً أن "احترس من الحليم إذا غضب"، فإذا انفرط عقد صبر الحليم، ستكون العواقب وخيمة على الجميع، ولن يبقي ذلك الانفجار أحداً في مأمن.


إن الصمود في وجه هذا "التنور" المشتعل يتطلب تفعيل قوة برود الأعصاب كأداة ردع تدميرية لمخططات المتربصين. فالثبات والهدوء في عز العاصفة هو الذي يحرق أعصاب من ينتظرون لحظة انكسارك. إن معركة الوعي هنا تقتضي فك الارتباط بكل ما هو "خارجي" مراقب، واللجوء إلى حصن الذات والارتقاء بالروح بعيداً عن ألسنة الحاقدين، مع اليقين التام بالعدالة الإلهية المطلقة التي لا يغيب عنها خائنة الأعين وما تخفي الصدور.


 إن وصول الإنسان إلى مرحلة "وشك الانهيار" هو في حقيقته اختبار لمدى قدرته على تحويل الغضب الكامن إلى وقود للنجاح الساحق. فالعظماء لم يصقلهم الرخاء، بل صنعهم الضغط الذي يحول الكربون إلى ألماس. لذا، تبقى الرسالة الأهم لكل من يمر بهذا التحدي: ابقَ صامداً، ولا تمنحهم لذة رؤية انكسارك، فالفجر لا يبزغ إلا بعد أن تصل الظلمة إلى أقصى عتمتها.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة