U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

بين القضبان وصرخات العوز.. "الغارمون" خلف جدران الصمت: أين ضمائر الأغنياء


بين القضبان وصرخات العوز.. "الغارمون" خلف جدران الصمت: أين ضمائر الأغنياء
؟

بقلم رأفت عبده 

ليست مجرد قضبان حديدية، بل هي جدران من القهر تلتف حول أعناقٍ لم ترتكب جُرماً سوى "الفقر". هناك، حيث تنطفئ الأنوار وتغيب الضحكات، ترقد قصصٌ تدمي القلوب لآلاف الأمهات اللاتي استدَنَّ لشراء "جهاز عرس" لابنة، أو آباءٍ وقعوا ضحية "وصل أمانة" لتدبير ثمن دواء أو لقمة عيش. خلف تلك الأسوار، تدفع العائلات ثمن العوز مرتين: مرة بحرمانهم من أبسط مقومات الحياة، ومرة بسلب حريتهم وتشتيت شملهم. هي مأساة "الغارمين والغارمات"؛ تلك النغمة الحزينة في سمفونية المجتمع المصري، التي باتت تصرخ في وجه الجميع: أما آن لهذا القيد أن ينكسر؟

سفهاء المال.. أفراحٌ باذخة ودموعٌ صامتة

بينما تقبع الأم "الغارمة" في غياهب السجن من أجل بضعة آلاف من الجنيهات، نرى مشاهداً تستفز الضمير الإنساني في عالمٍ آخر. نرى ملايين الجنيهات تُسكب سكباً في سرادقات عزاء تُقام للفخر والخيلاء، وأفراح أسطورية تُنفق فيها ثروات على "الشو الإعلامي" والمظاهر الجوفاء، وعزائم تتكدس فيها أطنان الطعام لتنتهي في صناديق القمامة!

يا هؤلاء.. يا من تبذرون الأموال في "ساعة فخر" زائلة، ألا تعلمون أن ثمن "كوشة" في فرح باذخ كفيل بإعادة عشر أمهات إلى أحضان أطفالهن؟ ألا تدركون أن تكلفة "سرادق عزاء" مبالغ فيه قد تفتح أبواب الحرية لآباء ضاقت بهم الأرض بما رحبت؟ إن الإنفاق في وجوه الخيلاء، بينما يئن الجار خلف القضبان، هو سهمٌ مسموم في قلب التكافل الاجتماعي.

أين دور الجمعيات الأهلية ورجال الأعمال؟

نبحث عنكم في الأزمات.. أين دور المجتمع المدني من هذه القضية الإنسانية التي لا تحتمل التأجيل؟ إن دور الجمعيات الأهلية لا ينبغي أن يقتصر على توزيع "كراتين رمضان"، بل يجب أن يمتد ليكون "قوة إنقاذ" سريعة لفك كرب هؤلاء.

أين رجال الأعمال الذين يملكون المقدرة على تغيير القدر؟ إن المسؤولية المجتمعية ليست مجرد إعلانات تليفزيونية، بل هي يدٌ تمتد لتنتشل إنساناً من ضياع محقق. نحن بحاجة إلى مبادرة وطنية كبرى، تجمع شتات التبرعات لتوجيهها حصرياً لسداد ديون الغارمين، وإعادة تأهيلهم لئلا يعودوا إلى فخ الديون مرة أخرى.

دعوة للرحمة: أعدوا لهم الفرحة

يا كل ذي قلب نابض، ويا كل صاحب مال أنعم الله عليه بفيضه.. انظروا إلى هؤلاء الذين ضاقت عليهم الحياة. افتحوا البيوت التي أُغلقت بغياب عائلها. أعدوا لهم الفرحة الحقيقية؛ ليس بتقديم الصدقات العابرة، بل بكسر قيودهم وإعادتهم إلى المجتمع مواطنين شرفاء.

إن أعظم "عزومة" هي التي تُطعم بها قلباً جائعاً للأمان، وأرقى "فرح" هو الذي ترسمه على وجه طفلٍ عاد إليه أبوه بعد طول غياب. ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.. فهل من مجيب قبل أن يبتلع السجن أعمار من لا ذنب لهم سوى "الحاجة"؟

نداء أخير.. قبل أن يرتد الطرف

إن صرخات "الغارمين" خلف الجدران ليست مجرد استغاثة عابرة، بل هي اختبار حقيقي لإنسانيتنا واختبار لضمائر الأغنياء قبل أن يسدل الستار. لا يطلب هؤلاء منا المستحيل؛ يطلبون فقط فرصة للحياة، فرصة لإعادة لم شمل عائلات تشتتت، ولرسم ابتسامة على وجوه أطفال فقدوا معنى الفرحة.

لذلك، ومن منبر "الأهرام الإخبارية"، نوجه نداءً نارياً إلى كل منظمات المجتمع المدني، والجمعيات الأهلية، وكل رجل أعمال أنعم الله عليه بفضله: كفانا شعارات، كفانا كلمات جوفاء. لقد حان وقت الفعل الرادع لمواجهة هذه المأساة التي تلتهم أعمار من لا ذنب لهم سوى الحاجة. إن أي قرش يُنفق في وجوه الخيلاء هو سهم يُطعن في قلب العدالة الاجتماعية.

لنجعل من كل فرح نُقيمه، ومن كل وليمة نُعدها، فرصة لإعادة الحياة لغارم أو غارمة. لنجعل من تضامننا الحقيقي سداً منيعاً يحمي الضعفاء من غياهب السجون. لا تدعوا هذا النداء يمر مرور الكرام، فكل ثانية تمر، تُسلب من عمر إنسان أمل في غدٍ أفضل. ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء، واجعلوا من كل يوم فرصة لصنع الفرح الحقيقي، فهل من مجيب؟


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة