U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

الإعلامية الدكتورة هند منير البسام تكتب الوعي المزيف… الوباء الصامت الذي يفتك بالعقول

الإعلامية الدكتورة هند منير البسام تكتب الوعي المزيف… الوباء الصامت الذي يفتك بالعقول
الإعلامية الدكتورة هند منير البسام

✍️ بقلم: الإعلامية الدكتورة هند منير البسام

لم يعد الجهل هو العدو الأول الذي يهدد المجتمعات الحديثة، فقد تجاوزناه إلى خطر أشد فتكًا وأكثر دهاءً: الوعي المزيف.
ذلك الوعي الذي لا يقوم على الفهم الحقيقي، بل على وهم المعرفة، ولا يُنتج عقلًا ناقدًا، بل يصنع يقينًا زائفًا لا يقبل الشك ولا المراجعة.

نحن لا نعيش عصر شُحّ المعلومات، بل عصر تخمتها.
بضغطة زر، تتدفق آلاف الآراء، والمقالات، والمقاطع المصورة، حتى بات البعض يخلط بين الاطلاع السريع والفهم العميق، وبين ترديد المصطلحات وامتلاك الوعي.
وهنا تبدأ الكارثة.

■ ما هو الوعي المزيف؟

الوعي المزيف حالة ذهنية خطيرة، يظن فيها الإنسان أنه أحاط بالقضية من كل جوانبها، بينما لا يمتلك سوى شذرات معرفة مبتورة، منزوعة من سياقها، ومشحونة بانطباعات سطحية.
إنه وهم الفهم… ذلك الشعور المريح الذي يمنح صاحبه ثقة زائفة، تجعله أكثر جرأة على إطلاق الأحكام، وأقل استعدادًا لطرح الأسئلة.

الجاهل الحقيقي قد يسأل، وقد يبحث، وقد يعترف بحدود معرفته.
أما صاحب الوعي المزيف، فيغلق أبواب المراجعة لأنه يعتقد — خطأً — أنه وصل إلى الحقيقة الكاملة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
ليست المشكلة في نقص المعرفة، بل في الاكتفاء بوهمها.

■ السوشيال ميديا… مصنع الوعي المغشوش

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في ترسيخ هذا الوباء الفكري.
اختُزلت القضايا المعقدة في مقاطع لا تتجاوز دقيقة، وتحولت التحليلات العميقة إلى عناوين صادمة، وأصبح “الترند” عند البعض مرادفًا للحقيقة.

في هذا المناخ المشوش، صار من السهل تبنّي رأي دون بحث، والدفاع عنه بشراسة دون تحقق.
بل الأخطر من ذلك، أن ثقافة تضخم الأنا منحت كل رأي وزنًا مساويًا لرأي المختص، متجاهلة الفارق الهائل في العلم والخبرة والمنهج.

النتيجة؟
تراجع قيمة التخصص، اهتزاز الثقة في العلم، تصاعد الاستقطاب، وتحول الحوار من نقاش عقلاني إلى صدامات انفعالية.

■ الأزمات تكشف المستور

تبلغ خطورة الوعي المزيف ذروتها في أوقات الأزمات.
فجأة، يتحول الجميع إلى خبراء سياسة، ومحللي اقتصاد، وأطباء متخصصين.
مقطع مجهول المصدر، أو منشور بلا سند، يكفي لمنح صاحبه ثقة مطلقة تخوّله مهاجمة المختصين، بل والسخرية منهم.

لا أحد يسأل:
ما المصدر؟
ما السياق؟
ما الخلفية العلمية؟

الثقة في أعلى مستوياتها…
والمعرفة لا تتجاوز سطح العنوان.

وهنا لا يصبح الخطر في المعلومة الخاطئة فقط، بل في الإيمان العميق بصحتها.
فالوعي المزيف لا يضلل صاحبه فحسب، بل يمنحه شعورًا زائفًا بالتفوق، يجعله أقل إنصاتًا، وأكثر ميلًا للإدانة.

■ مجتمع على حافة الانقسام

هكذا تتحول النقاشات إلى ساحات صراع، لا بحثًا عن الحقيقة، بل دفاعًا عن قناعات لم تخضع يومًا للاختبار.
والنتيجة مجتمع سريع الأحكام، ضعيف الإصغاء، يستهلك المعلومات دون أن يهضمها، ويثق بمصادر غير موثوقة، بينما يتسع الانقسام يومًا بعد يوم.

■ الوعي الحقيقي… طريق شاق لا يسلكه المتعجلون

الوعي الحقيقي ليس ادعاءً، بل رحلة شاقة من الشك المنهجي، والبحث، وإعادة التقييم.
هو إدراك عميق بأن المعرفة بحر لا شاطئ له، وأن ما نعرفه — مهما بدا واسعًا — يظل محدودًا.

أما الوعي المزيف، فهو شعور بالامتلاء الكاذب، يمنع صاحبه من استقبال الجديد، ويغلق عقله أمام الحقيقة.

السؤال الأخطر في زمن المعلومات

في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لم يعد السؤال:
هل نعرف؟
بل أصبح السؤال الأخطر:
هل نفهم حقًا؟

الفرق بين المعرفة والفهم…
ليس تفصيلًا فكريًا، بل خط فاصل قد يحدد مصير مجتمعات بأكملها.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة