U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

الوقت كنز يُهدر… فهل نحن في سباق مع الخسارة؟


الوقت كنز يُهدر… فهل نحن في سباق مع الخسارة؟

بقلم / طارق سلامه

ليس الفقر هو أفقر ما يواجه الإنسان، ولا الجهل أخطر ما يهدد الوجود، بل الكارثة الحقيقية تكمن في كنزٍ يُبدَّد كل يوم، ونِعمةٍ تُذبح على مذبح الإهمال والغفلة… إنه الوقت.

الوقت هو أعظم عطايا الله لعباده، ومن أقدس ما أنعم به على خليفته في الأرض، نعمة لا يعرف قيمتها إلا العقلاء، ولا يفرّط فيها إلا الغافلون. فمن أحسن امتلاكه ملك دنياه وأخراه، ومن أساء استخدامه تحوّل عليه نقمة وحسرة لا تمحى.

ولعظمة الوقت، أقسم به رب العزة في محكم تنزيله:
﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر﴾
والله لا يُقسم إلا بعظيم، ولا يُشير إلا إلى جليل الشأن. فالوقت هو ميزان النجاة أو الهلاك، والخيط الفاصل بين الخسارة والفلاح.

لقد أدرك الصالحون سر هذا الكنز، فعمّروا أوقاتهم بطاعة الله، وملؤوها بالذكر والعمل الصالح، فجعلوا من أعمارهم جسورًا للرضوان. أما الغافلون، فقد تركوا الوقت ينسل من بين أيديهم، فلم يحصدوا سوى الخيبة والانكسار… ومن كان من هؤلاء فليبكِ على عمرٍ مضى بلا ثمن.

ويؤكد رسول الله ﷺ هذه الحقيقة الصادمة بقوله:
«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»
فالفراغ هو الوقت حين يُترك بلا هدف، بلا ذكر، بلا عمل نافع، فيتحول من نعمة إلى خسارة، ومن فرصة إلى وبال.

ولم يكن توقيت العبادات في الإسلام عبثًا، بل رسالة صارخة بأن الوقت هو روح التكليف؛ صلوات مفروضة بأوقات، وصيام محدد بأيام، ومواسم فضّلها الله على غيرها، كشهر رمضان، والعشر الأوائل من ذي الحجة، حيث تتضاعف الأجور وتُفتح أبواب السماء، في سباق رباني لا يفوز فيه إلا من اغتنم اللحظة.

الوقت ليس رفاهية… بل أمانة.

ومن يضيّعه فيما لا ينفع، فقد خان الأمانة وخسر الصفقة. يقول ﷺ:
«إن لربكم في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لها»
أي التمسوا فرص القرب، واغتنموا لحظات العطاء، قبل أن تنقضي بلا رجعة.

فلا تُسلم نفسك للشهوات، ولا تغرق في متاهات الانشغال الزائف، ولا تكن ممن قال الله فيهم:
﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾
وهل هناك عبث أشد من عمر يُستهلك بلا هدف؟

إن عمر الإنسان محدود، وخطواته محسوبة، ومصيره محتوم:
﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه﴾
وسيأتي اليوم الذي يتمنى فيه المفرّطون دقيقة واحدة، فلا تُمنح، ويصرخون ندمًا:
﴿رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت﴾
لكنها صرخة بعد فوات الأوان.

لقد أجمع العلماء والحكماء على أن الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وهو الكنز الذي لا يُعوّض. ويكفي قول النبي ﷺ:
«ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة»
بل إن أهل الجنة أنفسهم لا يتحسرون إلا على لحظاتٍ مرت دون ذكر الله.

فالوقت حياة… ومن أضاع وقته أضاع حياته.

اللهم اجعلنا من الذين طال عمرهم وحسن عملهم، ولا تجعلنا من الخاسرين الغافلين، وبارك لنا في أوقاتنا، واجعلها شاهدة لنا لا علينا، وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة