مئة جنيه... وستة إخوةحادث الدواويس لا يروي قصة «حادث» فقط.. بل يكشف وجع الفقر الذي دفع ستة أشقاء إلى طريق الموت
بقلم: رأفت عبده
لم يكن الفجر قد أذن للشمس بأن تفتح عينيها، حين خرج ستة إخوة من بيت واحد، يحمل كل واحد منهم حلمًا بسيطًا بحجم مئة جنيه.
لم يخرجوا إلى نزهة، ولم تكن وجهتهم مدرسة أو ملعبًا أو رحلة مع الأصدقاء.. خرجوا بحثًا عن اليومية.
خرجوا ليعملوا، ليعودوا في نهاية النهار بما يستطيعون جمعه من جنيهات قليلة، بينما كان في البيت أب ينتظر، وأم تنتظر، وأسرة تحلم بفرحة صغيرة اسمها كيلو لحم.
ستة إخوة أشقاء.. أعمارهم بين التاسعة والثامنة عشرة.. خرجوا معًا، وكأن الطريق سيعيدهم معًا.
لكن الطريق لم يُعدهم.
وفي لحظة واحدة، تحولت الرحلة من بحث عن لقمة العيش إلى مأساة هزت بيتًا كاملًا، بعدما وقع حادث الدواويس، وسقط ضحايا ومصابون، بينما بقيت في أحد البيوت صدمة لا يمكن للأرقام أن تصفها.
ستة أطفال خرجوا بستة أحلام.. فعاد الصمت
كان كل واحد منهم يحمل في يوميته مئة جنيه تقريبًا.
ستة إخوة يعني ستمائة جنيه.
وستمائة جنيه في بيت بسيط قد تعني كيلو لحم.
لا وليمة فاخرة، ولا مائدة مترفة، ولا طعامًا زائدًا عن الحاجة.
فقط كيلو لحم تلتف حوله الأسرة بعد يوم طويل من التعب.
هكذا يحسب الفقراء أفراحهم..
رغيف خبز، بعض الخضار، كوب شاي، وقطعة لحم قد تكون مناسبة نادرة لا تتكرر كثيرًا.
كانوا يجمعون المانجا والجوافة والليمون، يحملون رائحة الثمار على ملابسهم، لكنهم يعودون إلى بيوتهم بلا ثمرة واحدة.. لأن ما يجمعونه ليس لهم.
كانوا يعملون لكي يعيشوا.
وكان حلمهم في نهاية اليوم بسيطًا جدًا:
مئة جنيه لكل واحد.. ثم العودة إلى البيت.
ثم جاء الطريق.. وانفجر الإطار
سيارة ربع نقل.. صندوق ضاق بأجساد العمال، وأشخاص أصبحوا في لحظة ما مجرد حمولة فوق حمولة.
كان الطريق يمضي، والراديو يردد أغنيات الصباح، والحياة تبدو عادية.
ربما كان أحدهم يتحدث إلى الآخر.
ربما كان أحدهم يحلم بما سيفعله بمئة جنيه.
ربما كان أحدهم يفكر في أمه.
وربما كان آخر يفكر في العودة إلى البيت.
ثم انفجر الإطار.
لحظة واحدة فقط..
انحرفت السيارة، واصطدمت بأخرى، وانقلبت تفاصيل الصباح إلى صرخات ودماء وحقائب وأحذية متناثرة وأجساد تبحث عن النجاة.
ثمانية عشر إنسانًا لم يعودوا إلى بيوتهم كما خرجوا.. وثلاثون حملوا جراحهم إلى المستشفيات.
لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع أن تحكي حجم الكارثة داخل ذلك البيت تحديدًا.
لأن الرقم الأشد قسوة ليس 18..
ولا 30..
الرقم الذي يوجع القلب هو:
ستة.
ستة إخوة من أسرة واحدة.
الأب كان ينتظر ستة.. والأم كانت تنتظر ستة
في ذلك البيت، لم يكن هناك أب ينتظر ابنًا واحدًا.
كان ينتظر ستة.
ولم تكن الأم تنتظر صوتًا واحدًا خلف الباب.
كانت تنتظر ستة أصوات.
ستة أقدام كان ينبغي أن تدخل البيت.
ستة وجوه كان ينبغي أن تبتسم.
ستة أصوات كان ينبغي أن تقول:
«رجعنا يا أمي».
لكن الباب ظل مفتوحًا..
والبيت ظل ينتظر..
والانتظار تحول إلى صدمة.
ربما كان الأب في لحظة ما يحسبها:
مئة هنا..
ومئة هناك..
ومئة ثالثة..
حتى تكتمل ستمائة جنيه.
كيلو لحم.
لكن السؤال الذي يحرق القلب الآن:
ما قيمة ستمائة جنيه بعد أن غاب أصحابها؟
وما قيمة كيلو اللحم إذا أصبحت المائدة بلا أبنائها؟
المأساة ليست إطارًا انفجر فقط
نعم، انفجار إطار قد يكون الشرارة المباشرة للحادث.
لكن المأساة أعمق من ذلك.
المأساة أن طفلًا في التاسعة من عمره يخرج قبل الفجر بحثًا عن يومية، بينما مكانه الطبيعي هو المدرسة.
المأساة أن أسرة تحتاج إلى جهود ستة أبناء حتى تجمع ثمن كيلو لحم.
المأساة أن العامل البسيط قد يجد نفسه مضطرًا للركوب في وسيلة نقل غير مناسبة لأنه لا يملك رفاهية الاختيار.
المأساة أن الفقر أحيانًا لا يترك للإنسان مساحة ليقول:
«لا.. هذا الطريق خطر».
لأن وراءه بيتًا يحتاج إلى الطعام.
ووراءه أمًا تنتظر.
ووراءه أبًا يحاول أن يوفر ما يستطيع.
لا تجعلوا «حادثًا» تغلق الملف
ما حدث في الدواويس يجب ألا يمر باعتباره مجرد خبر جديد ينتهي بانتهاء يومه.
يجب أن تكون هناك مراجعة حقيقية لوسائل نقل العمال، ومدى صلاحيتها، وطريقة تحميل الركاب، وإجراءات السلامة، وساعات العمل، وحماية الأطفال من الخروج إلى الأعمال الخطرة.
ويجب أن نسأل جميعًا:
كيف وصل طفل في التاسعة إلى صندوق سيارة بحثًا عن يومية؟
ومن المسؤول عن توفير بيئة آمنة للعامل؟
ومن يحمي الطفل الذي اضطرته ظروف أسرته إلى العمل؟
وكيف نمنع تكرار المأساة؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا..
بل حق لأسر الضحايا.
التعويض لا يعوض غياب الابن
قد يأتي التعويض..
وقد تتحرك الجهات المعنية..
وقد تصدر قرارات وتشديدات..
لكن هناك أشياء لا يعوضها المال.
لا يوجد مبلغ يعيد ابنًا إلى أمه.
ولا قرار إداري يعيد ضحكة إلى بيت فقد ستة من أبنائه.
ولا تعويض يستطيع أن يطرق الباب مساءً ويقول:
«رجعنا يا أمي».
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط مواساة الأسر المنكوبة، رغم أن المواساة واجبة، وليس فقط تقديم الدعم والتعويض، رغم أهميتهما.
المطلوب أيضًا أن تتحول هذه الفاجعة إلى جرس إنذار حقيقي.
يا مصر.. هؤلاء ليسوا أرقامًا
يا مصر..
لا تنظري إلى ضحايا الدواويس كأرقام في بيان.
وراء كل رقم أم.
وخلف كل اسم أب.
وفي كل بيت قصة.
لكن هناك بيتًا واحدًا حمل مأساة مضاعفة..
بيتًا خرج منه ستة إخوة بحثًا عن مئة جنيه لكل واحد.
كان حلمهم ستمائة جنيه..
وكانت الأسرة تنتظر كيلو لحم..
فإذا بالموت يأخذ منهم ما هو أغلى من كل موائد الدنيا.
أخذ أبناءهم.
وفي النهاية، لا تقولوا فقط:
«حادث وقع».
قولوا الحقيقة كاملة:
كان هناك بيت ينتظر ستة أبناء.. فدخل إليه الموت بدلًا منهم.

إرسال تعليق