U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

الجامعات الخاصة والأهلية بين العدالة الاجتماعية والقدرة المالية.. عندما يصبح المال بوابة للفرص ويشعر المتفوق أن اجتهاده لا يكفي

الجامعات الخاصة والأهلية بين العدالة الاجتماعية والقدرة المالية.. عندما يصبح المال بوابة للفرص ويشعر المتفوق أن اجتهاده لا يكفي

بقلم ؛ الأستاذ الدكتور صلاح الساعي 

لم تعد قضية الجامعات الخاصة والأهلية مجرد ملف تعليمي يتعلق بتعدد مسارات الدراسة الجامعية، وإنما أصبحت قضية مجتمعية شديدة الحساسية، ترتبط بصورة مباشرة بمفهوم العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومستقبل الشباب.

فالتعليم الجامعي ليس مجرد شهادة يحصل عليها الطالب، بل هو البوابة التي يعبر منها إلى مستقبله المهني والاجتماعي، ومن ثم فإن أي شعور بعدم المساواة في فرص الالتحاق بالتخصصات المختلفة يمكن أن يترك آثارًا تتجاوز حدود الطالب وأسرته، لتصل إلى المجتمع بأكمله.

وهنا يطرح الواقع سؤالًا صعبًا ومشروعًا: هل أصبح المجموع الدراسي وحده غير كافٍ لتحديد مستقبل الطالب، أم أن القدرة المالية باتت في بعض الحالات عاملًا حاسمًا في تحديد الطريق الذي يسلكه؟

العدالة الاجتماعية.. حق لا ينبغي أن تحدده القدرة المالية

العدالة الاجتماعية تعني أن يحصل أفراد المجتمع على حقوقهم وفرصهم بصورة عادلة، وأن تكون أبواب التعليم والعمل والتقدم مفتوحة أمام الجميع وفق معايير واضحة، دون أن يتحول الفقر أو ضعف الإمكانات المادية إلى حاجز يحرم الإنسان من حقه في تحقيق طموحه.

وفي المقابل، يظهر الظلم الاجتماعي عندما يشعر الإنسان بأن الفرص لا توزع وفق الكفاءة والاجتهاد، وإنما وفق عوامل أخرى لا علاقة لها بقدراته العلمية.

وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.

فعندما يرى طالب متفوق أنه بذل سنوات من الجهد، وحصل على مجموع مرتفع، ثم يجد أن قدرته المالية لا تسمح له بالالتحاق بالتخصص الذي يحلم به، بينما يستطيع طالب آخر بمجموع أقل الالتحاق بالتخصص ذاته من خلال مسار تعليمي مختلف، فإن الأمر قد يتحول من مجرد فارق في المسارات التعليمية إلى شعور عميق بالغبن وعدم تكافؤ الفرص.

ولنكن واضحين: القضية ليست انتقاصًا من أي طالب، ولا تشكيكًا في كفاءة خريجي الجامعات الخاصة أو الأهلية، كما أنها ليست تقليلًا من شأن أي مهنة، وعلى رأسها مهنة التمريض التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية للمنظومة الصحية.

فكل مهنة لها قيمتها ورسالتها، ولا يجوز تقييم الإنسان أو مستقبله المهني من خلال مجموع الثانوية العامة وحده.

لكن القضية الحقيقية هي: هل يحصل جميع الطلاب على فرصة عادلة للوصول إلى التخصص الذي تؤهلهم قدراتهم إليه؟

حين يصطدم التفوق بجدار الإمكانات

تصوروا طالبًا يحصل على 90% أو أكثر، ويحلم بدراسة الطب، لكنه لا يستطيع تحمل تكاليف الدراسة في جامعة خاصة، فيضطر إلى اختيار تخصص آخر وفقًا لقدرات أسرته المالية.

وفي المقابل، يجد طالبًا آخر حصل على مجموع أقل بكثير قادرًا ماليًا على الالتحاق بتخصص طبي في مؤسسة تعليمية خاصة.

هنا لا ينبغي أن يكون السؤال: من الأفضل؟
بل السؤال الأخطر هو: هل شعر الأول بأن اجتهاده كان كافيًا لفتح الباب أمامه؟

وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف أمامها، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد أبناؤه الإيمان بأن الاجتهاد والكفاءة والتميز هي الطريق الطبيعي لصناعة المستقبل.

وقد تصاعد الجدل بالفعل عقب ما أثير من تحذيرات وانتقادات بشأن قبول طلاب في بعض كليات الطب التابعة لجامعات دولية بمجاميع تبدأ من حدود منخفضة مقارنة بالحد الأدنى المصري، وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاش حول معايير القبول وضوابط ممارسة المهنة وجودة التعليم الطبي.

وهنا يجب التعامل مع الملف بمنتهى الدقة والموضوعية، بعيدًا عن التعميم أو إصدار أحكام مسبقة على الطلاب أو المؤسسات التعليمية.

المشكلة ليست في الطب والتمريض.. بل في الإحساس بعدم الإنصاف

من الخطأ أن يتحول النقاش إلى مقارنة بين طالب الطب وطالب التمريض.

فالتمريض مهنة علمية وإنسانية رفيعة، والطواقم التمريضية تمثل شريكًا أساسيًا في نجاح أي منظومة صحية.

كما أن مجموع الثانوية العامة لا يمكن أن يكون وحده معيارًا نهائيًا للحكم على طبيب بعد سنوات من الدراسة والتدريب والممارسة.

لكن هناك فارقًا كبيرًا بين الحكم على الكفاءة المهنية وبين عدالة الفرص التعليمية عند نقطة البداية.

فالطالب الذي بذل جهدًا مضاعفًا ثم وجد نفسه عاجزًا عن الوصول إلى التخصص الذي يؤهله له تفوقه بسبب ظروفه الاقتصادية، قد يشعر بأن النظام لم يكافئ هذا الجهد.

وقد يبدأ السؤال المؤلم في الظهور:

إذا كان التفوق لا يضمن لي فرصة عادلة، فما قيمة كل هذا الاجتهاد؟

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

من الإحساس الفردي بالظلم إلى الاحتقان الاجتماعي

الاحتقان الاجتماعي لا يولد بين ليلة وضحاها.

إنه يبدأ غالبًا بشعور فردي صغير، ثم تتراكم التجارب والمواقف، ويتحول الشعور بالغبن إلى حالة من الاستياء العام، خصوصًا عندما يعتقد قطاع من الشباب أن الفرص لا توزع وفق معيار واحد واضح.

وعندما تتكرر الرسالة أمام الشباب بأن القدرة المالية تستطيع فتح أبواب قد تغلق أمام غير القادرين، فإن الأمر قد يتجاوز حدود التعليم إلى الثقة في المجتمع ومؤسساته.

وهنا يصبح الإصلاح ضرورة، وليس رفاهية.

لأن الدولة والمجتمع لا يحتاجان فقط إلى تخريج أعداد كبيرة من الحاصلين على الشهادات، وإنما يحتاجان إلى بناء منظومة يشعر فيها الطالب أن الاجتهاد له قيمة، والتفوق له ثمن، والكفاءة لها مكان.

الجامعات الخاصة والأهلية ليست المشكلة

ولنكن منصفين.

وجود الجامعات الخاصة والأهلية ليس في حد ذاته مشكلة، بل يمكن أن يمثل إضافة مهمة لمنظومة التعليم العالي، ويوفر مسارات تعليمية متعددة، ويسهم في استيعاب أعداد أكبر من الطلاب.

كما أن من حق الأسرة القادرة أن تنفق على تعليم أبنائها وفق القانون والضوابط المنظمة.

لكن المطلوب هو تحقيق التوازن.

توازن بين حرية اختيار الطالب لمستقبله، وحق الأسرة في اختيار نوع التعليم، وبين ضرورة حماية مبدأ تكافؤ الفرص.

ومن هنا تبرز أهمية وضع معايير قبول واضحة وشفافة، ومراجعة الفروق بين مسارات التعليم المختلفة، وتشجيع المنح الدراسية للمتفوقين غير القادرين، وتوفير آليات حقيقية تسمح للطالب المتميز بأن يصل إلى التخصص الذي يستحقه، بصرف النظر عن مستوى دخل أسرته.

الرسالة التي يجب أن تصل إلى أبنائنا

القضية في النهاية ليست معركة بين الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، وليست صراعًا بين طالب طب وطالب تمريض.

إنها قضية أكبر بكثير.

إنها قضية ثقة جيل كامل في معنى النجاح.

فالشاب الذي يذاكر ويجتهد ويكافح ويحقق التفوق يجب أن يشعر أن المجتمع يرى جهده ويقدره، وأن المال يمكن أن يوفر خيارات إضافية، لكنه لا ينبغي أن يصبح البديل الوحيد عن الكفاءة.

نحن لا نريد مجتمعًا يقول فيه الشاب: لقد اجتهدت، لكنني لم أجد الطريق.

بل نريد مجتمعًا يقول فيه الطالب: اجتهدت، فوجدت فرصة عادلة، وطورت نفسي، ووصلت إلى المكان الذي أستحقه.

وهنا تكون العدالة الاجتماعية قد تحولت من شعار إلى واقع.

فالتعليم العادل ليس معناه أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، وإنما أن يحصل الجميع على فرصة حقيقية وعادلة لصناعة النتيجة التي يستحقونها.

وإذا فقد الطالب المتفوق ثقته في قيمة الاجتهاد، فنحن لا نخسر طالبًا واحدًا فقط، بل نخاطر بخسارة ثقة جيل كامل في المستقبل.

وهذه ليست قضية جامعات فقط...

إنها قضية وطن يريد أن يبني مستقبله على العلم والكفاءة والعدل، لا على القدرة المالية وحدها.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة