U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

الأخلاق قبل الأسواق.. من يحمي المواطن من «تسعيرة الضمير الغائب»؟

 

الأخلاق قبل الأسواق.. من يحمي المواطن من «تسعيرة الضمير الغائب»؟

تحقيق صحفي بقلم: سامية الصادق

حين يتحول احتياج المواطن إلى فرصة للربح.. والسعر إلى سلاح ينهش جيوب الغلابة

لم يعد السؤال اليوم: لماذا ترتفع الأسعار؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يحدد السعر؟ وعلى أي أساس؟ وأين تقف أمانة البائع عندما يتحول احتياج المواطن إلى فرصة لزيادة الأرباح؟

في الأسواق، لا يواجه المواطن أرقامًا على بطاقات الأسعار فقط، وإنما يواجه واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا، يجعل كل جنيه له حساب، وكل زيادة ولو كانت بسيطة تترك أثرًا مباشرًا على ميزانية الأسرة.

لكن المشكلة لا تكمن دائمًا في ارتفاع التكلفة وحده، وإنما في بعض الممارسات التي قد تجعل المواطن يشعر بأنه أمام سوق بلا ضمير؛ تاجر يرفع السعر لمجرد أن غيره رفعه، وآخر يبرر الزيادة بارتفاع الدولار رغم أن بضاعته اشتراها بسعر سابق، وثالث يرى في الأزمات موسمًا لتعظيم الأرباح.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:

أين أمانة البائع؟

«الدولار ارتفع».. شماعة جاهزة لكل زيادة!

أصبح سعر الصرف في نظر بعض المتعاملين شماعة جاهزة لتعليق أي زيادة في الأسعار، حتى عندما لا تكون هناك علاقة مباشرة بين السلعة وسعر الدولار في توقيت بيعها.

قد تكون السلعة موجودة في المخزن منذ فترة، وقد يكون التاجر اشتراها بسعر أقل، ومع ذلك ترتفع تسعيرتها للمستهلك فورًا بحجة أن "الأسعار كلها زادت".

وهنا لا بد من التفرقة بين زيادة حقيقية في التكلفة تستوجب تعديل السعر، وبين زيادة مبالغ فيها هدفها استغلال حالة السوق.

فالعدالة لا تعني منع التاجر من الربح، وإنما تعني أن يكون الربح مشروعًا وعادلًا ومتناسبًا مع التكلفة الحقيقية.

«الناس كلها بتغلي».. هل أصبح الخطأ مبررًا لأنه منتشر؟

من أخطر المبررات التي تتردد في الأسواق:

"الجميع يرفع الأسعار."

لكن هل انتشار الخطأ يجعله صحيحًا؟

إذا رفع تاجر السعر دون مبرر، فقلده عشرة، ثم تبعهم مائة، هل يصبح الأمر قانونًا جديدًا؟

بالطبع لا.

لأن السوق السليم لا يقوم على تقليد المخالف، وإنما يقوم على المنافسة والشفافية والأمانة.

والتاجر الشريف لا يحتاج إلى تقليد المستغلين، لأنه يعرف أن سمعة المحل ورأس المال الحقيقي الذي يمتلكه هو ثقة الزبون.

المواطن يدفع الفاتورة.. والأسرة تدفع الثمن

عندما ترتفع الأسعار بصورة غير مبررة، لا يتأثر المواطن منفردًا، وإنما تهتز ميزانية الأسرة بأكملها.

أسرة كانت تشتري احتياجاتها الأساسية بميزانية محددة، تجد نفسها مضطرة إلى حذف بعض السلع أو تقليل الكميات.

وقد يتحول شراء الضروريات إلى عملية حسابية يومية:

ماذا نشتري؟ وماذا نترك؟ وما الذي يمكن تأجيله؟

وهنا تظهر خطورة الاستغلال؛ لأن الأمر لا يتعلق بسلعة ترفيهية يستطيع المواطن الاستغناء عنها، وإنما قد يتعلق بالطعام والشراب والاحتياجات الأساسية.

حين تضيع الثقة.. يخسر الجميع

التاجر الذي يستغل المشتري قد يحقق ربحًا سريعًا، لكنه يخسر شيئًا أهم: الثقة.

والمواطن عندما يشعر أنه تعرض للاستغلال، لن يعود إلى المكان نفسه بسهولة، وقد تنتقل تجربته إلى الآخرين.

وهكذا تتحول زيادة ربح قصيرة المدى إلى خسارة طويلة المدى.

أما التاجر الذي يعرفه الناس بالأمانة، فقد لا يكون الأرخص دائمًا، لكنه يظل الاختيار المفضل؛ لأن المواطن يعرف أنه لن يفاجأ بسعر مختلف أو زيادة بلا تفسير.

الثقة في السوق لا تُبنى بالإعلانات، وإنما تُبنى بالفاتورة والأمانة وحسن المعاملة.

هل نريد تجارة بلا أخلاق؟

التجارة ليست جريمة، والربح ليس عيبًا، بل التجارة الشريفة من أبواب الرزق.

لكن هناك خطًا فاصلًا بين الربح والاستغلال.

التاجر من حقه أن يربح، ومن حقه أن يغطي تكاليفه، ومن حقه أن يضمن استمرار نشاطه.

لكن ليس من حق أي شخص أن يحول حاجة الناس إلى وسيلة للضغط عليهم أو تحميلهم زيادات لا تستند إلى تكلفة حقيقية.

وهنا يجب أن يحضر الضمير قبل الآلة الحاسبة.

السؤال إلى التاجر: هل تقبل السعر لو كنت مكان المشتري؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأبسط والأكثر قوة:

لو كنت أنت المشتري، هل كنت ستقبل السعر الذي تضعه الآن؟

ولو كانت الإجابة "لا"، فماذا ستقول أمام نفسك عندما تطلب من غيرك أن يدفعه؟

الأمانة ليست كلمة تُكتب على لافتة المحل، وإنما سلوك يظهر في الميزان، وفي السعر، وفي الفاتورة، وفي طريقة التعامل.

والسؤال إلى المواطن: لا تصمت عن حقك

كما أن على التاجر مسؤولية، فإن على المستهلك دورًا أيضًا.

لا ينبغي أن يقبل المواطن أي سعر دون معرفة أو مقارنة أو طلب فاتورة، وعليه أن يلجأ إلى القنوات الرسمية المختصة عند وجود مخالفات، وأن يرفض شراء السلع المغشوشة أو التعامل مع من يستغل حاجته.

الوعي الاستهلاكي أحد أهم أسلحة مواجهة الاستغلال.

والسؤال إلى الجهات الرقابية: أين الرقابة؟

السوق يحتاج إلى رقابة فعالة ومستدامة، لا أن تتحرك الرقابة فقط عندما تتصاعد الشكاوى.

المواطن يريد أن يعرف أن هناك جهة تحميه، وأن هناك إجراءات واضحة تجاه من يتلاعب بالأسعار أو يغش أو يخفي المعلومات المتعلقة بالسلعة.

فالرقابة ليست عدوًا للتاجر الشريف، بل هي حماية له قبل أن تكون حماية للمستهلك؛ لأنها تضمن منافسة عادلة وتمنع أن يتحول السوق إلى ساحة يفوز فيها الأكثر استغلالًا.

الأخلاق ليست رفاهية

قد يعتقد البعض أن الحديث عن الأخلاق في ظل الأزمات الاقتصادية نوع من المثالية.

لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

كلما اشتدت الأزمات، أصبحنا أكثر احتياجًا إلى الأخلاق.

فالرحمة بالناس وقت الرخاء سهلة، لكن الاختبار الحقيقي يظهر عندما تكون الفرصة متاحة للاستغلال.

ومن هنا فإن التاجر الذي يراعي ظروف الناس في الأزمات، لا يخسر، بل يبني لنفسه اسمًا وسمعة وثقة قد تساوي أضعاف أي مكسب مؤقت.

وقد قال النبي ﷺ:

«رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى».

رسالة إلى كل تاجر

لا تجعل أزمة الناس موسمًا لزيادة ثروتك.

لا تجعل احتياج الأسرة بابًا لاستنزاف دخلها.

لا تنظر إلى المشتري باعتباره مجرد رقم في دفتر الحسابات.

وراء كل جنيه تدفعه يدٌ قد تكون متعبة، وأسرة تنتظر، وأطفال لهم احتياجات، ورب أسرة يحاول أن يمر بيومه دون أن ينكسر.

اربح… ولكن لا تظلم.

اكسب… ولكن لا تستغل.

بع… ولكن لا تبيع ضميرك.

الخلاصة: السوق الذي يخسر الأخلاق يخسر كل شيء

قد تتغير الأسعار، وتتبدل العملات، وتتأثر الأسواق بالأزمات العالمية والمحلية، لكن هناك قيمة واحدة لا ينبغي أن تخضع للعرض والطلب:

الأمانة.

فليس التاجر الناجح هو من يبيع بأعلى سعر، وإنما من يبيع بسعر عادل ويحتفظ بزبونه وسمعته وراحة ضميره.

فالمال الذي يأتي من استغلال حاجة الناس قد يملأ الجيب، لكنه لا يملأ القلب راحة.

أما التجارة التي تقوم على الصدق والرحمة والعدل، فهي التي تبني سوقًا قويًا ومجتمعًا أكثر تماسكًا.

الأخلاق قبل الأسواق.. والضمير قبل الربح.

لأن السوق بلا أخلاق قد يمتلئ بالبضائع، لكنه يظل فقيرًا في القيمة، خاسرًا في الثقة، ومهددًا بانهيار العلاقة بين البائع والمشتري.

بقلم: سامية الصادق

#الأخلاق_قبل_الأسواق
#أمانة_التاجر
#حماية_المستهلك
#الأسعار
#الربح_الحلال
#مكافحة_الغش
#الرقابة_على_الأسواق
#سامية_الصادق
#الأهرام_الإخبارية

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة