مصر بين أزمة الغذاء والتحديات الاستراتيجية: رؤية حاسمة لتأمين المحاصيل القومية بالبحيرة
كتب احمد منازع
لم تعد المحاصيل الاستراتيجية في مصر مجرد شأن زراعي تقليدي، بل تحولت إلى خط الدفاع الأول للأمن القومي، وسط عالم مضطرب اقتصادياً ومناخياً. فالقمح والذرة والأرز والقطن والسكر ليست مجرد محاصيل، بل ركائز غذاء وصناعة الوطن، تواجه اليوم موجة من المخاطر المتشابكة التي تهدد استدامتها وقدرتها على تلبية احتياجات المصريين.
المخاطر الاقتصادية تضغط على الزراعة
كشف المهندس محمد عبد المنعم فايد، الباحث الزراعي ومدير عام إدارة المياه والأراضي والبيئة بمديرية الزراعة بالبحيرة، أن الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك في المحاصيل الاستراتيجية تجعل مصر مرهونة بأسواق العالم وتقلبات الأسعار والأزمات الجيوسياسية.
وأضاف فايد أن ارتفاع تكاليف الإنتاج من أسمدة وطاقة وتقاوي، مقابل غياب ضمانات تسويقية مستقرة، يدفع بعض المزارعين للابتعاد عن المحاصيل القومية، والبحث عن مكاسب سريعة على حساب الأمن الغذائي.
البيئة.. التحدي الأكثر حساسية
الموارد المائية المحدودة تمثل أكبر تهديد للزراعة في مصر، حيث ثبات حصة مياه نهر النيل مقابل تزايد الطلب السكاني والتوسع العمراني.
كما أن التغيرات المناخية لم تعد مجرد تهديد نظري، بل أصبحت واقعاً ملموساً يظهر في اختلال مواعيد الزراعة، وانخفاض الإنتاجية، وانتشار الآفات، إلى جانب تدهور التربة الزراعية الناتج عن الإفراط في استخدام الأسمدة والبناء على الأراضي الخصبة.
البحث العلمي بين الإمكانات والتحديات
رغم امتلاك مصر مؤسسات بحثية زراعية عريقة، إلا أن البحث العلمي لم يترجم بعد إلى واقع عملي في الحقول. فجوة تطبيق نتائج الأبحاث، وضعف الإرشاد الزراعي، وقلة التمويل الموجه للبحث التطبيقي، جعلت الفلاح بعيداً عن أحدث التقنيات العلمية.
رؤية للخروج من دائرة الأزمات
يرى الخبراء أن الحل يكمن في رؤية شاملة تربط الاقتصاد والبيئة والبحث العلمي، بدل التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر. وتشمل هذه الرؤية:
رفع الإنتاجية الفدانية باستخدام التقاوي المحسّنة والتكنولوجيا الحديثة بدلاً من التوسع المكلف في الأراضي.
إعادة هيكلة التركيب المحصولي بما يتوافق مع الموارد المتاحة واحتياجات السوق.
التوسع في الزراعة التعاقدية لضمان دخل مستقر للفلاح وتشجيعه على استدامة زراعة المحاصيل الاستراتيجية.
من الزراعة إلى الصناعة
لا يمكن الحديث عن مستقبل المحاصيل القومية دون ربطها بالصناعة. فالتوسع في التصنيع الزراعي لمحاصيل مثل القطن والذرة وبنجر السكر يضيف قيمة اقتصادية، يقلل الفاقد، ويحول الزراعة من عبء على الموازنة إلى محرك للنمو والتشغيل.
إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستراتيجي
إن مستقبل المحاصيل الاستراتيجية في مصر يعتمد على الانتقال السريع من إدارة الأزمات إلى التخطيط طويل الأجل. المخاطر قائمة ومتزايدة، لكن السياسات الواضحة والرؤية المتكاملة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، لتظل الزراعة خط الدفاع الأول عن غذاء المصريين واستقرارهم الاقتصادي والاجتماعي.
إرسال تعليق