البيئة ليست يومًا في التقويم.. من ينقذ حق الإنسان في الحياة؟
بقلم الإعلامية د/هند منير البسام
في الرابع عشر من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم العربي باليوم العربي للبيئة، وتتجدد الدعوات إلى حماية الموارد الطبيعية ومواجهة التلوث والتصحر وتغير المناخ. لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بعد انتهاء الاحتفالات هو: ماذا يتغير في حياتنا عندما ينتهي هذا اليوم؟
هل تصبح شوارعنا أنظف؟ هل نتوقف عن إلقاء المخلفات في الطرقات؟ هل نتعامل مع المياه باعتبارها ثروة لا يجوز إهدارها؟ وهل ندرك أن البيئة ليست قضية تخص الحكومات وحدها، بل ترتبط بصحتنا وراحتنا ومستقبل أبنائنا؟
البيئة ليست صورة نلتقطها في مناسبة، ولا شعارًا نردده على مواقع التواصل، بل هي المكان الذي نعيش فيه، والهواء الذي نتنفسه، والمياه التي نشربها، والأرض التي نتركها للأجيال القادمة.
وفي مصر، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بتلوث الهواء والتخلص من المخلفات والحفاظ على الموارد المائية ومواجهة التصحر. وقد أعلنت وزارة التنمية المحلية والبيئة، في تقرير نشرته في أكتوبر الجاري، تجميع نحو 1.2 مليون طن من قش الأرز، إلى جانب انخفاض نقاط الحرق المكشوف بنسبة 24.8% خلال الفترة التي تناولها التقرير. وهي مؤشرات على أهمية تحويل المخلفات الزراعية من مصدر محتمل للتلوث إلى مورد يمكن الاستفادة منه اقتصاديًا.
لكن التعامل مع التحديات البيئية لا ينبغي أن يتوقف عند الأرقام والبيانات، مهما كانت أهميتها؛ فالمعيار الحقيقي للنجاح هو ما يشعر به المواطن في حياته اليومية، ومدى قدرته على التنفس في هواء أنظف، والعيش في محيط صحي، والاستفادة من خدمات تحافظ على نظافة المكان وكرامة الإنسان.
المشكلة ليست دائمًا في غياب الوعي، بل في المسافة بين ما نعرفه وما نفعله.
قد يعرف الإنسان أن إلقاء القمامة في الشارع سلوك خاطئ، ثم يفعله لأنه اعتاد ذلك أو لأنه لا يشعر بأن المكان مسؤوليته. وقد يطالب بمدينة نظيفة، لكنه لا يتردد في إلقاء مخلفاته في الطريق. وقد يتحدث عن مستقبل أبنائه، دون أن ينتبه إلى أن الحفاظ على هذا المستقبل يبدأ من تصرفات صغيرة تتكرر كل يوم.
ومن هنا تظهر أهمية علم النفس في فهم السلوك البيئي؛ فالمعلومة وحدها لا تكفي دائمًا لتغيير العادات. نحن بحاجة إلى تربية تقوم على المسؤولية، وإلى بيئة تشجع السلوك الصحيح، وإلى خدمات تتيح للناس التخلص من المخلفات بطريقة مناسبة، وإلى تطبيق عادل للقواعد التي تحمي الأماكن العامة.
فلا يمكن أن نطالب المواطن وحده بحل أزمة تتداخل فيها مسؤوليات الأفراد والمؤسسات، كما لا يمكن أن ننتظر من المؤسسات أن تحقق النتائج المرجوة إذا غابت مشاركة المجتمع.
إن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، تبدأ من المنزل، وتمتد إلى المدرسة والجامعة ومكان العمل والشارع، وتحتاج إلى تعاون حقيقي بين الجهات المعنية والمجتمع المدني والمواطنين.
ولأن البيئة ترتبط بالصحة النفسية والجسدية وجودة الحياة، فإن المساحات الخضراء والأماكن النظيفة ليست مجرد مظاهر جمالية؛ بل هي جزء من حق الإنسان في العيش في محيط يساعده على الشعور بالراحة والأمان والانتماء.
ومن المهم كذلك أن نربي أبناءنا على احترام الكائنات الحية، وألا نعتبر إيذاء الحيوانات أو إهدار الموارد أمرًا عاديًا. فالرحمة بالإنسان والحيوان، واحترام الطبيعة، وترشيد الاستهلاك، كلها قيم تعكس مستوى الوعي والمسؤولية داخل المجتمع.
أما المؤسسات التعليمية والإعلامية، فعليها دور يتجاوز تنظيم حملات موسمية أو نشر رسائل توعوية متكررة؛ إذ ينبغي أن تساعد على تحويل المعرفة إلى ممارسة، وأن تقدم نماذج واقعية للمبادرات الناجحة، وأن تفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في الحلول بدلًا من الاكتفاء بمطالبتهم بتغيير سلوكهم.
إننا لا نحتاج إلى يوم واحد نتذكر فيه البيئة، بل إلى ثقافة تجعل احترامها عادة يومية لا تحتاج إلى تذكير.
وإذا كان اليوم العربي للبيئة يمثل فرصة لتجديد الالتزام بحماية الموارد الطبيعية، فإن قيمته الحقيقية تقاس بما يحدث بعده: هل نواصل العمل؟ هل نراجع سلوكياتنا؟ هل نحاسب أنفسنا ومؤسساتنا على النتائج؟ وهل نترك لأبنائنا بيئة أفضل مما وجدناها؟
في النهاية، لن نستطيع أن نبني مستقبلًا صحيًا ومستدامًا إذا تعاملنا مع البيئة باعتبارها قضية مؤقتة تظهر في المناسبات وتختفي بعدها. فالأرض ليست ملكًا لجيل واحد، والموارد الطبيعية ليست ثروة قابلة للإهدار بلا حساب، والحق في بيئة نظيفة ليس رفاهية يمكن تأجيلها.
رسالتي إلى كل مواطن: ابدأ من المكان الذي تعيش فيه، ولا تنتظر مناسبة لتفعل الصواب. فربما تبدو خطوتك صغيرة، لكن السلوك المسؤول حين يتحول إلى ثقافة عامة يصبح قوة حقيقية للتغيير.
فالبيئة ليست يومًا في التقويم، بل مسؤولية كل يوم، وحق لكل إنسان، وأمانة في أعناقنا جميعًا.
بقلم الإعلامية د/هند منير البسام

إرسال تعليق