U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

نصر أكتوبر.. حين تصنع الإرادة المستحيل ويكون التوكل على الله طريقًا للنصر

 نصر أكتوبر.. حين تصنع الإرادة المستحيل ويكون التوكل على الله طريقًا للنصر

بقلم: أ.د. مفيدة إبراهيم علي

عميدة كليات الدراسات الإسلامية والعربية بالأزهر الشريف

«﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾»

تظل ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة حاضرة في وجدان المصريين، لا يطويها الزمن ولا تمحوها السنوات؛ لأنها ليست مجرد ذكرى عابرة في صفحات التاريخ، وإنما ملحمة وطنية وإنسانية تجسدت فيها أسمى معاني التضحية والإيمان والإرادة والعزيمة.

وفي كل عام، ومع حلول ذكرى السادس من أكتوبر، تستعيد مصر مشاهد العبور العظيم، وتستحضر بطولات رجال القوات المسلحة المصرية الذين كتبوا بدمائهم وتضحياتهم صفحة مضيئة في تاريخ الوطن، وأثبتوا أن الإرادة الصادقة قادرة على تجاوز أصعب التحديات، وأن الشعوب حين تتوحد حول هدفها تستطيع أن تصنع المستحيل.

لقد كان نصر أكتوبر نقطة تحول فارقة في مسيرة الدولة المصرية، وأعاد للإنسان المصري ثقته بنفسه وقدرته على مواجهة التحديات، ومهّد الطريق لمرحلة جديدة من البناء والتنمية واستعادة المكانة التي تليق بمصر بين الأمم.

وحين ننظر اليوم إلى ما تشهده مصر من مشروعات قومية وإنجازات متتابعة في مختلف المجالات، فإننا ندرك أن البناء والتنمية يحتاجان إلى الأمن والاستقرار، وأن الحفاظ على مقدرات الوطن مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا وإرادة وعملًا متواصلًا.

وقد ارتبط هذا النصر العظيم بالإيمان بالله وحسن التوكل عليه، قال تعالى:

«﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

الطلاق: 3»


وقال سبحانه:


«﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

آل عمران: 101»

فالتوكل على الله لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، وإنما يعني أن يبذل الإنسان أقصى ما يستطيع من جهد، ثم يفوض أمره إلى الله، مؤمنًا بأن النصر والتوفيق بيده سبحانه.

ويبقى السادس من أكتوبر عام 1973 شاهدًا خالدًا على هذه الحقيقة؛ فقد تحولت معركة العبور إلى ملحمة بطولية ستظل الأجيال تتناقل تفاصيلها، وسيظل التاريخ يسجلها بحروف مضيئة، لما حملته من صور التضحية والفداء والانضباط والإصرار على استرداد الحق.

وفي ظل ما يحيط بالوطن من تحديات ومتغيرات، نحن في أمسّ الحاجة إلى استلهام روح أكتوبر، لا باعتبارها ذكرى نحتفل بها فقط، وإنما باعتبارها منهجًا في مواجهة الصعاب؛ منهجًا يقوم على الوحدة، والعمل، والوعي، والانضباط، والإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز الأزمات.

وقد جاء القرآن الكريم ليقرر حقيقة راسخة:

«﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

الأنفال: 10»

فالنصر لا يتحقق بالقوة المادية وحدها، وإنما تتكامل فيه قوة الإيمان مع حسن التخطيط والأخذ بالأسباب والصبر والثبات والعزيمة.

ومن أعظم ما ارتبط بذكرى أكتوبر أنها جاءت في العاشر من رمضان، فامتزجت روح الصيام بروح الجهاد والعمل والتضحية، وأصبح العبور رمزًا لقدرة الإنسان على أن يحول الصعاب إلى إنجاز، والتحديات إلى فرص، والألم إلى أمل.

واليوم، ونحن نستحضر تلك الروح العظيمة، فإن واجبنا أن نحول ذكرى النصر إلى طاقة إيجابية تدفعنا إلى العمل من أجل الوطن، وأن نستفيد من الدرس الذي قدمه رجال أكتوبر للأجيال: لا مستحيل أمام إرادة تؤمن بهدفها، ولا تحدٍّ أكبر من شعب يملك الوعي والعزيمة والإصرار.

إن نصر أكتوبر لم يكن مجرد انتصار عسكري في معركة، بل كان انتصارًا للإرادة المصرية، وإعلانًا بأن الهزيمة لا يمكن أن تكون نهاية الطريق، وأن الإنسان قادر على استعادة ثقته بنفسه عندما يمتلك الرؤية والإرادة ويأخذ بأسباب النجاح.

لقد كان أكتوبر عبورًا من الانكسار إلى الأمل، ومن الألم إلى الفخر، ومن الشعور بالعجز إلى استعادة الثقة والقدرة على الفعل.

ومن هنا، فإن أعظم وفاء لرجال أكتوبر لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بأن نحافظ على وطننا، ونصون مقدراته، ونعمل بإخلاص، ونغرس في أبنائنا قيم الانتماء والوعي والمسؤولية، ونواصل مسيرة البناء والتنمية.

رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ جيش مصر العظيم، وحفظ الله وطننا الغالي، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، ووفّق أبناءه إلى كل ما فيه الخير والرفعة والتقدم.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة