.. كيف نحمي عقول أبنائنا في عالم الذكاء الاصطناعي؟
بقلم:أ.د فاطمة جابر السيد يوسف أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف ورئيس لجنة الفتوى بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بكندا
يجلس طفلكَ في غرفته هادئاً، يرتدي نظارة عجيبة، أو يمسك بهاتفه لساعات طويلة يتحدث ويوجه الأسئلة لبرنامج ذكاء اصطناعي كأنه صديقه المقرب الذي يفهمه أكثر من أي شخص آخر.
المشهد يبدو عادياً، بل ومبهجاً للكثير من الآباء الذين يرون في ذلك مواكبة للعصر والتطور.
لكن، هل سألنا أنفسنا يوماً: كيف سيكون شكل الأخلاق، والحلال والحرام، بل وشكل العلاقات الإنسانية والروابط الأسرية داخل هذه العوالم الرقمية بعد سنوات قليلة؟ هنا تحديداً تبرز أهمية ما يسميه علماء الشريعة اليوم بـ "الفتوى الاستشرافية"؛ وهي ببساطة تلك الأداة الفقهية والوعي الديني الذي لا ينتظر وقوع المشكلة أو الكارثة لتبحث لها المؤسسات الدينية عن حل، بل تقرأ المستقبل، وتدرس التطور العلمي قبل اكتماله، لتستبقه بخُطوة وتضع له الضوابط التي تحمي الإنسان.
إننا اليوم لسنا في ترف فكري، بل نحن أمام جدار الحماية الأول والوحيد لبيوتنا وأولادنا في مواجهة عالم رقمي متسارع يبتلع كل شيء من حولنا.
إن أعظم ما جاءت الشريعة الإسلامية الكريمة لحمايته ورعايته هو "العقل البشري"، فهو مناط التكليف وأساس الإنسانية. وفي عصر "الذكاء الاصطناعي التوليدي"، أصبحنا أمام تحدٍ مجتمعي وأخلاقي غير مسبوق؛ فالآلة لم تعد مجرد أداة صماء تساعد الإنسان في حساباته أو أعماله، بل أصبحت تفكر بدلاً منه، وتكتب له واقعه، وتصوغ له أفكاره وقناعاته. والخطورة هنا ليست في التكنولوجيا كعلم أو كتقدم معمارى، فالإسلام يحثنا دائماً على العلم والتميز، ولكن الخطورة تكمن في "استقالة العقل" وتسليم مفاتيحه لبرمجيات صماء لا تملك قلباً، ولا ديناً، ولا منظومة قيم أخلاقية.
ومن هنا تنبهنا الرؤية الاستشرافية للفقه الإسلامي إلى أن تحصين الأبناء لم يعد يقتصر اليوم على التعليم المدرسي التقليدي، بل يجب أن يبدأ من بناء "الحصانة الرقمية" داخل الأسرة، بحيث يتعلم أولادنا كيف يمحصون الأفكار ويفكرون بشكل نقدي، لا كيف يستهلكون ما تقرره الآلة نيابة عنهم.
ولو نقلنا هذا التصور الافتراضي إلى واقع بيوتنا، ودققنا في تساؤل يمس الكثير من الأسر: إذا تعرض طفل أو فتاة للمضايقة، أو الابتزاز، أو الإهانة النفسية واللفظية داخل لعبة افتراضية أو عالم رقمي موازٍ، هل نمرر الأمر ببساطة على أنه "مجرد تسلية ولعب"؟ إن روح الشريعة الإسلامية وقواعدها الكبرى تضع لنا ميزاناً ذهبياً عابراً للزمان والمكان تلخصه جملة واحدة: "لا ضرر ولا ضرار".
فالأذى النفسي، والاعتداء على كرامة الإنسان، وانتهاك براءته داخل العالم الافتراضي، هي سلوكيات محرمة شرعاً وتعد جرائم كاملة الأركان والأثر تماماً كالعالم الحقيقي.
وهنا يتدخل الفقه المستقبلي الواعي ليطلق جرس الإنذار للأهل وللمشرّعين على حد سواء: لا تنتظروا حتى تصبح هذه العوالم الافتراضية هي الواقع الوحيد المتاح لأولادنا، بل سارعوا بوضع الضوابط التربوية والقانونية لحمايتهم من الآن.
إن هذه النظرة الفقهية الاستشرافية تشبه إلى حد كبير "هيئة الأرصاد الجوية"؛ تحذرنا من هبوب العاصفة قبل هطول المطر حتى نرتدي الملابس المناسبة ونحتمي في بيوتنا بأمان.
وديننا الحنيف يتميز بمرونة مذهلة وعميقة تجعله صالحاً ومصلحاً لكل زمان ومكان، لأنه لا يغلق الباب أبداً أمام التطور المدني، بل يفرش له طريقاً آمناً يضمن ألا يتوه فيه الإنسان أو يفقد هويته.
إن حماية بيوتنا في المستقبل القريب تبدأ من وعينا وانتباهنا اليوم، ونحن بحاجة ماسة لجهود متكاملة بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلامية، لصياغة "ميثاق أخلاق رقمي" يفهمه الصغير قبل الكبير، لتظل التكنولوجيا خادماً مطيعاً للبشر، ولا نتحول نحن وأبناؤنا إلى تابعين لها.

إرسال تعليق