U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

هل تستطيع الفتوى أن ترى ما قبل المشكلة؟ من انتظار الأزمة إلى صناعة الوقاية.. الفتوى الاستشرافية تفتح بابًا جديدًا في فقه الواقع والمآلات

هل تستطيع الفتوى أن ترى ما قبل المشكلة؟

من انتظار الأزمة إلى صناعة الوقاية.. الفتوى الاستشرافية تفتح بابًا جديدًا في فقه الواقع والمآلات

بقلم: أ.د. فاطمة جابر السيد يوسف
أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات ببني سويف – جامعة الأزهر الشريف
رئيس لجنة الفتوى بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بكندا

هل تنتظر الفتوى حتى تقع المشكلة ثم تبدأ في البحث عن الحكم؟
أم أن بإمكانها أن تنظر إلى ما وراء السؤال، وتقرأ مقدمات الأزمة قبل أن تتحول إلى واقع يصعب علاجه؟

هذا السؤال يفتح الباب أمام مفهوم بالغ الأهمية في فقه العصر، وهو الفتوى الاستشرافية؛ ذلك النوع من الاجتهاد الذي لا يكتفي بإطفاء الحريق بعد اشتعاله، وإنما يحاول أن يقرأ بوادره، ويفهم أسبابه، وينبه إلى مخاطره قبل أن يتحول الأمر إلى أزمة حقيقية.

فالفتوى ليست مجرد إجابة تُقال في لحظة وقوع المشكلة، ولا حكمًا يُستخرج بعد أن تتشابك الخيوط وتتعقد العلاقات؛ بل يمكن أن تكون أداة لبناء الوعي، وحماية الأسرة، وترشيد السلوك، وفتح أعين الناس على مآلات قد لا تبدو واضحة في بداياتها.

المشكلة الكبرى قد تبدأ من تفصيل صغير

كم من أزمة أسرية بدأت بكلمة عابرة؟
وكم من خلاف زوجي بدأ بتصرف بسيط لم ينتبه إليه أحد؟
وكم من سلوك اعتُبر في بدايته أمرًا عاديًا، ثم تحول مع مرور الوقت إلى عادة راسخة يصعب التخلص منها؟

هنا تظهر أهمية فقه المآلات؛ فالاجتهاد الواعي لا ينظر إلى الفعل منفصلًا عن نتائجه، ولا يتعامل مع الحكم الشرعي بمعزل عن آثاره الواقعية في حياة الناس.

ولهذا فإن السؤال الفقهي في عصرنا لم يعد بالضرورة: «ماذا أفعل بعد وقوع المشكلة؟»، وإنما ينبغي أن يمتد أحيانًا إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف أتجنب الوصول إلى المشكلة من الأساس؟»

عصر جديد.. وأسئلة لم تكن موجودة من قبل

العالم يتغير بسرعة مذهلة، وما كان يحتاج سنوات طويلة حتى يصبح واقعًا أصبح اليوم ينتشر خلال أشهر، بل ربما خلال أيام.

التكنولوجيا الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، كلها أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، وأصبحت تؤثر في العلاقات الإنسانية، وفي الأسرة، وفي العمل، وفي الخصوصية، وفي مصادر المعرفة، بل وفي بعض القرارات التي يتخذها الإنسان.

وهنا يبرز السؤال الخطير:

هل تنتظر الفتوى حتى تتحول هذه الظواهر إلى مشكلات اجتماعية وأسرية واسعة، أم تبدأ مبكرًا في دراسة آثارها ووضع الضوابط التي تساعد المجتمع على التعامل معها بوعي؟

إن الانتظار حتى وقوع الضرر قد يجعل مهمة العلاج أكثر صعوبة، بينما يمكن للتوجيه المبكر أن يسهم في الوقاية وتقليل المخاطر.

الفتوى لا تتنبأ بالغيب.. لكنها تقرأ المؤشرات

والاستشراف الشرعي لا يعني بأي حال من الأحوال ادعاء معرفة المستقبل؛ فالغيب مما استأثر الله تعالى بعلمه.

وإنما المقصود هو قراءة الواقع، ودراسة المعطيات، وفهم التحولات الاجتماعية والتقنية، والاستفادة من الخبرات والتجارب السابقة، ثم النظر في المآلات المحتملة في ضوء القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة.

إنها محاولة لفهم إلى أين يمكن أن يقودنا المسار الحالي إذا استمر؟

وهذا النوع من التفكير لا يصنع الخوف من المستقبل، وإنما يصنع الوعي بالمستقبل.

الفقيه وحده لا يستطيع قراءة كل شيء

ومن أهم متطلبات الفتوى المعاصرة أن يكون الفقيه قريبًا من الواقع، متابعًا لتحولاته، ومدركًا لطبيعة المستجدات التي يتعامل معها الناس.

فإذا كانت القضية طبية، فلابد من فهم حقيقتها الطبية والاستعانة بأهل الاختصاص. وإذا كانت اقتصادية، فلابد من فهم طبيعة المعاملة وآثارها. وإذا كانت مرتبطة بالذكاء الاصطناعي أو الأمن الرقمي، فلابد من معرفة طبيعة التقنية وآليات عملها.

فالحكم الشرعي الدقيق يحتاج إلى تصور دقيق للواقع.

وكلما كان التصور ناقصًا، أصبح الحكم معرضًا لأن يُبنى على صورة غير مكتملة للمشكلة.

ومن هنا فإن التكامل بين الفقه وأهل الاختصاص لم يعد ترفًا علميًا، وإنما أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر.

بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة

ومن أخطر التحديات أن نتعامل مع كل ظاهرة جديدة بعقلية قديمة دون أن نفهم طبيعتها الحقيقية.

فليس كل جديد مرفوضًا لمجرد أنه جديد، كما أن ليس كل ما تسمح به التقنية نافعًا لمجرد أنه ممكن.

المعيار هو فهم حقيقة الأمر، ومعرفة آثاره، ودراسة مآلاته، ثم تنزيل الحكم الشرعي عليه في ضوء ذلك كله.

وهنا يظهر الفقه القادر على التفاعل مع العصر دون أن يفقد ثوابته، وعلى استيعاب المتغيرات دون أن يتنازل عن أصوله.

من علاج المشكلة إلى منع وقوعها

الفتوى الاستشرافية لا تريد أن تضيق على الناس حياتهم، ولا أن تحول المستقبل إلى مساحة من المخاوف، وإنما تسعى إلى شيء أكثر أهمية:

الوقاية قبل العلاج.. والبصيرة قبل القرار.. والوعي قبل وقوع الضرر.

فربما تكون أعظم خدمة تقدمها الفتوى للناس ليست أن تخبرهم كيف يتصرفون بعد وقوع المشكلة، وإنما أن تساعدهم على إدراك الطريق الذي قد يقود إليها، وتمنحهم من الوعي ما يساعدهم على تجنبها.

وهنا تتحول الفتوى من مجرد إجابة عن سؤال إلى بناء للوعي.

ومن مجرد معالجة لاحقة إلى وقاية مبكرة.

ومن التعامل مع الحدث بعد وقوعه إلى قراءة مقدماته ومؤشراته ومآلاته.

الفتوى التي ترى ما وراء السؤال

إن المستقبل يحتاج إلى فقه يحافظ على ثوابته، لكنه لا يغلق عينيه عن متغيرات العصر؛ فقه يقرأ الواقع بعين واعية، ويستفيد من العلوم والخبرات، ويدرس المآلات، ويفرق بين التخوف من المستقبل وبين الاستعداد له.

فليست القضية أن نعرف فقط ما حكم المشكلة عندما تقع؟

بل القضية الأهم أحيانًا أن نسأل:

كيف نمنع المشكلة قبل أن تولد؟

وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الفتوى الاستشرافية؛ لأنها لا تنتظر الأزمة حتى تطرق الأبواب، وإنما تحاول أن ترى خطواتها الأولى، وتقرأ إشاراتها المبكرة، وتقدم للناس من البصيرة ما يعينهم على اتخاذ القرار الصحيح قبل فوات الأوان.

فقد تكون أعظم فتوى هي تلك التي لا تأتي بعد وقوع المشكلة.. بل تساعد الإنسان على ألا يقع فيها أصلًا.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة