U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

من يصنع القدوة؟ عندما يعلو صوت التفاهة ويُهمَّش أهل العلم

من يصنع القدوة؟ عندما يعلو صوت التفاهة ويُهمَّش أهل العلم

بقلم: أ.د. صلاح الدين الساعي

هناك عبارات لا تمر على العقل مرورًا عابرًا، بل تهزّ الوعي وتضع المجتمع أمام مرآة الحقيقة. ومن أبرزها المقولة المنسوبة إلى المفكر الجزائري مالك بن نبي: «إذا أردت أن تهدم حضارة، احتقر معلماً، وأذل طبيباً، وهمّش عالماً، وأعطِ قيمة للتافهين».

هذه الكلمات لا تتحدث عن انهيار يأتي فجأة، وإنما تكشف عن انهيار يبدأ من الداخل، عندما يختل سُلّم القيم، وتتغير نظرة المجتمع إلى العلم والعمل والإنجاز والقدوة.

فالحضارات لا تسقط بالرصاص وحده، بل قد تبدأ في السقوط عندما يُشوَّه ميزان القيم، ويُرفع التافه فوق صاحب العلم، ويصبح الضجيج أعلى من صوت المعرفة، بينما يُهمَّش المعلم الذي يصنع الأجيال، والطبيب الذي يحفظ حياة الناس، والعالم الذي يقضي سنوات طويلة في البحث والاكتشاف.

المشكلة ليست في وجود التافهين

التفاهة موجودة في كل زمان ومكان، وليست هي المشكلة في حد ذاتها، وإنما الخطر الحقيقي أن يتحول التافه إلى قدوة، وأن تصبح الشهرة معيارًا لقيمة الإنسان.

فليس كل مشهور عظيمًا، وليس كل عظيم مشهورًا.

هناك معلمون يغيرون حياة أجيال كاملة دون أن يعرفهم أحد، وأطباء يواصلون العمل لساعات طويلة لإنقاذ المرضى دون كاميرات، وعلماء وباحثون يقضون سنوات خلف الكتب والمختبرات بحثًا عن اكتشاف ينفع البشرية.

وفي المقابل، قد يحظى شخص لا يقدم علمًا ولا معرفة ولا قيمة حقيقية بمتابعة الملايين لمجرد قدرته على صناعة الضجيج.

وهنا تبدأ الأزمة.

من يصنع القدوة؟

السؤال ليس: لماذا يوجد محتوى تافه؟

بل السؤال الأخطر: لماذا نمنحه نحن كل هذا الاهتمام؟

فكل مشاهدة، وكل مشاركة، وكل إعجاب، وكل متابعة، يمكن أن تتحول إلى رسالة تشجيع لصاحب المحتوى بأن يستمر.

وعندما يرى الشباب أن طريق الشهرة السريعة لا يحتاج إلى علم أو موهبة أو اجتهاد، وإنما يحتاج فقط إلى إثارة الجدل وجذب الأنظار، فقد تتغير لديهم صورة النجاح نفسها.

ومن هنا تصبح مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع ومنصات التواصل مسؤولية مشتركة في إعادة بناء مفهوم القدوة.

الشهرة ليست شهادة تفوق

يجب أن ندرك أن الشهرة لا تعني بالضرورة القيمة، وأن عدد المتابعين لا يمثل شهادة في الأخلاق أو العلم أو الكفاءة.

القيمة الحقيقية تقاس بحجم الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.

فالذي يعلم إنسانًا، أو ينقذ مريضًا، أو يكتشف علاجًا، أو يقدم فكرة نافعة، أو يبني مؤسسة، أو يربي جيلًا صالحًا، قد يكون أثره أعظم بكثير من شخص حصد ملايين المشاهدات ثم اختفى محتواه من الذاكرة.

إننا بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح أمام أبنائنا، حتى لا يصبح النجاح عندهم مرادفًا للشهرة، ولا الشهرة مرادفًا للقيمة.

القدوة تُبنى بالأخلاق قبل الأضواء

القدوة الحقيقية ليست الشخص الأكثر ظهورًا أمام الكاميرات، وإنما الإنسان الذي يستطيع أن يقدم نموذجًا في العلم والعمل والأخلاق والمسؤولية.

القدوة هو المعلم الذي يؤدي رسالته بإخلاص، والطبيب الذي يحترم حياة مرضاه، والعالم الذي يكرس عمره للمعرفة، والعامل الذي يتقن عمله، والأب الذي يربي أبناءه على الصدق، والأم التي تزرع في أبنائها احترام العلم والآخرين.

هؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا في الصفوف الأولى من اهتمام المجتمع.

مستقبل الأمة يبدأ من تصفيقها

إذا أردت أن تعرف مستقبل أمة، فانظر إلى من تصفق لهم، ومن تقدمهم لأبنائك باعتبارهم نماذج للنجاح.

فإذا صفقنا للعلم، سيبحث أبناؤنا عن المعرفة.

وإذا كرّمنا المعلم، سيعرفون قيمة التعليم.

وإذا احترمنا الطبيب والعالم والباحث والمبدع، سيتعلمون أن الإنجاز الحقيقي يحتاج إلى صبر وعلم وعمل.

أما إذا أصبح التصفيق دائمًا لمن يثير الجدل ويصنع الضجيج، فلا ينبغي أن نتعجب عندما يبحث البعض عن الشهرة بأي وسيلة.

المعركة الحقيقية معركة وعي

لسنا بحاجة إلى محاربة الأشخاص بقدر حاجتنا إلى إعادة الاعتبار للقيمة.

نحن بحاجة إلى إعلام يضيء على قصص النجاح الحقيقي، ومدارس تقدم العلماء والمبدعين كنماذج، وأسرة تربي أبناءها على أن الشهرة ليست هدفًا في حد ذاتها، ومجتمع يعرف الفرق بين من يلفت الأنظار ومن يستحق الاحترام.

فالحضارات لا تبنى بالصخب، وإنما بالعلم والعمل والأخلاق.

ولا تصنع الأمم العظيمة نجومًا من الفراغ، وإنما تصنع أجيالًا تعرف قيمة المعرفة وتحترم أصحاب الإنجاز.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب ألا نهرب منه:

من يصنع القدوة؟

نحن جميعًا.

نصنعها بما نتابع، وبما نشارك، وبما نمدحه، وبمن نمنحه ثقتنا، وبالنماذج التي نقدمها لأبنائنا.

فالحضارة لا تنهار عندما تنهدم مبانيها فقط، وإنما تبدأ في الانهيار عندما تنهدم القيم التي بنت تلك المباني.

وحين يصبح التافه نجمًا، والعالم مهمشًا، والمعلم منسيًا، والطبيب بلا تقدير، فاعلم أن الخطر لم يعد على الأبواب...

بل بدأ من الداخل.

بقلم
أ.د. صلاح الدين الساعي

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة