البراءة... عنوان الحقيقةهل آن الأوان لرفع التحفظ عن منزل محمد عيسى نوار؟
متابعة الإعلامي رأفت عبده
ببلاغ من مجهول – بحسب ما هو متداول في أوراق القضية – بدأت خيوط قضية اتهام الأستاذ محمد عيسى نوار بالتنقيب عن الآثار، لتتحول الواقعة إلى واحدة من أكثر القضايا التي أثارت الجدل داخل قرية نديبة، قبل أن يقول القضاء المصري العظيم كلمته الفاصلة بحكم البراءة، لتبقى الحقيقة القانونية هي العنوان الأبرز، ويطرح ذلك تساؤلًا مشروعًا: هل آن الأوان لرفع التحفظ عن منزل محمد عيسى نوار في ضوء حكم البراءة وما تضمنته التقارير الرسمية؟
لكن ما بين سطور الملف، وما لم يُحسم حتى الآن في الرأي العام، تظل هناك أسئلة ثقيلة لا يمكن تجاهلها… أسئلة تفرض نفسها بإلحاح: من هو صاحب البلاغ الحقيقي؟ وما علاقته بالواقعة؟ ولماذا اختفى اسمه من المشهد رغم أنه الشرارة الأولى للقضية؟
ومنذ اللحظة الأولى لظهور الاتهام، تعاملت أجهزة الدولة مع الواقعة بمنتهى الجدية، وهو أمر طبيعي في القضايا المتعلقة بحماية الآثار باعتبارها جزءًا من تاريخ مصر وتراثها الحضاري. فتحركت الأجهزة الأمنية، وانتقلت الجهات المختصة، وباشرت النيابة العامة التحقيقات، كما كلفت هيئة الآثار بإجراء المعاينات الفنية اللازمة، في إطار من احترام القانون وسيادته.
وهنا تتفجر تساؤلات أكثر عمقًا وإثارة: كيف شُكِّلت لجنة هيئة الآثار؟ وهل كانت بتشكيل قانوني كامل ومستوفٍ لكل الضوابط؟ وما طبيعة المأمورية التي قامت بها داخل الموقع؟ وهل تم توثيق كل خطوات الحفر والمعاينة بالصورة والتقرير الفني الرسمي؟ وأين ذهب هذا التقرير بعد انتهاء اللجنة من عملها؟
ومع استمرار التحقيقات، جاء تقرير هيئة الآثار – وفقًا لما ورد بأوراق القضية – ليؤكد أن المنزل محل الواقعة لا يقع داخل نطاق أثري، وأن أقرب تل أثري يبعد نحو ثلاثة كيلومترات جهة بحري شرقي ام اقرب تل الاثري هو سيدي عيد الرزاق بحري غربي في كوم حفص في حين التقرير يوضح أنه بحري شرقي وهذا مخالف للحقائق المساحية، وهنا التسائل كما أثبتت المعاينة عدم وجود أعمال حفر أو تنقيب داخل المنزل محل التحفظ.
لكن المفاجأة التي يطرحها البعض اليوم: إذا كانت اللجنة قد قامت بالحفر ونصبت الخيام وأجرت المعاينات الميدانية، ثم غادرت الموقع وكأن شيئًا لم يكن… فأين النتائج التفصيلية؟ وأين الصور الميدانية؟ ولماذا لم يُنشر التقرير الكامل للرأي العام حتى الآن؟
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل استمرت النيابة العامة في مباشرة التحقيقات، واستدعاء جميع الأطراف، ومناقشة التقارير الفنية، حتى أحيلت القضية إلى المحكمة المختصة، التي نظرت الدعوى في جلسات علنية وفقًا للقانون، واستمعت إلى جميع أوجه الدفاع والاتهام، حتى أصدرت حكمها.
وفي جلسة 29 يوليو 2023، صدر حكم المحكمة ببراءة الأستاذ محمد عيسى نوار حضورياً، وبراءة باقي المتهمين غيابياً، لتنتهي القضية بحكم قضائي يعبر عن قناعة المحكمة بعد دراسة أوراق الدعوى وما تضمنته من أدلة وتقارير.
ولا يختلف اثنان على أن القضاء المصري هو صاحب الكلمة الأخيرة، وأن أحكامه عنوان للحقيقة القانونية، وأن احترام تلك الأحكام يمثل واجبًا على الجميع، تمامًا كما يتم احترام الإجراءات التي تُتخذ أثناء مراحل التحقيق.
ومن هنا يبرز التساؤل الذي يفرض نفسه بقوة أكبر بعد صدور الحكم: إذا كانت المحكمة قد قضت بالبراءة، وإذا كانت التقارير الفنية لم تثبت وجود أعمال تنقيب أو وقوع المنزل داخل حيز أثري، فلماذا لا يزال ملف التحفظ مفتوحًا؟ وهل هناك مبررات قانونية لاستمراره؟ أم أن الأمر يحتاج إلى إعادة نظر شاملة؟
إن هذا التساؤل لا يحمل أي تشكيك في أداء أي جهة من جهات الدولة، بل ينطلق من الإيمان الكامل بأن العدالة تكتمل بتنفيذ جميع الآثار القانونية المترتبة على الأحكام القضائية، وفقًا لما يحدده القانون والسلطات المختصة.
ويؤكد أصحاب الشأن أنهم تقدموا بطلب رسمي يحمل رقم 6920 بتاريخ 25 يونيو 2026 إلى معالي المستشار المحامي العام الأول بالإسكندرية، للمطالبة برفع التحفظ عن المنزل، كما تم إرسال الطلب بذات الرقم بتاريخ 27 يونيو 2026 إلى السيد المستشار المحامي العام لنيابة وسط، آملين في إعادة النظر في استمرار هذا الإجراء في ضوء حكم البراءة الصادر.
وهنا نعد الرأي العام بتقرير قادم أكثر تفصيلًا وإثارة، مدعومًا بالصور والمستندات الرسمية، وبالأسماء الكاملة لكل من ورد ذكره في محضر البلاغ، وكشف طبيعة علاقاتهم بالواقعة، وكواليس ما جرى داخل موقع الحفر، وما إذا كانت الإجراءات تمت وفق صحيح القانون من عدمه، وأين انتهت أوراق لجنة الآثار ولماذا اختفت بعض تفاصيلها من التداول.
إن الدولة المصرية بقيادتها ومؤسساتها القضائية والقانونية رسخت مبدأ أن العدالة لا تعرف سوى الدليل، وأن القضاء وحده هو الفيصل بين الاتهام والبراءة. ولذلك فإن ثقة المواطنين في القضاء المصري كانت وستظل كبيرة، لأنه المؤسسة التي أنصفت المظلومين وحفظت الحقوق وأعلت من شأن القانون.
إن البراءة ليست مجرد كلمة تُكتب في منطوق الحكم، وإنما هي إعادة اعتبار قانونية وأدبية لمن صدر الحكم لصالحه، وهي رسالة تؤكد أن العدالة المصرية تعمل باستقلال كامل، وأنها لا تدين إنسانًا إلا بدليل يقيني، ولا تحكم بالبراءة إلا بعد اقتناع كامل بما عُرض عليها من وقائع ومستندات.
ومن هنا، فإن استكمال تنفيذ الآثار القانونية المترتبة على الحكم، متى توافرت شروطه القانونية، يمثل جزءًا من منظومة العدالة وسيادة القانون، وهو ما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة ويؤكد أن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.
وفي النهاية، يبقى احترام القضاء المصري واجبًا وطنيًا، كما يبقى الأمل قائمًا في أن تحسم الجهات المختصة الطلبات المقدمة إليها وفقًا لصحيح القانون، وبما يتفق مع الحكم الصادر وما يترتب عليه من آثار قانونية.
فالبراءة ليست نهاية قضية فحسب، بل هي بداية لاستعادة الحقوق التي يكفلها القانون متى استوفت الإجراءات القانونية. وستظل الحقيقة أقوى من كل شائعة، وسيظل القضاء المصري العظيم هو الحصن المنيع للعدالة، والميزان الذي لا يميل إلا للحق، لتبقى البراءة عنوان الحقيقة، ويبقى القانون هو السيد فوق الجميع.









إرسال تعليق