بين الشاليهات الفاخرة وآهات البسطاء... إلى أين تتجه بوصلة العطاء؟!
بقلم الإعلامي الدكتور رأفت عبده
وسط فرحة المصريين بالإنجاز التاريخي الذي حققه منتخب مصر، ووسط مشاهد الاحتفال التي أبهجت الملايين ورفعت اسم الوطن عالياً بين الأمم، خرجت أخبار عن تقديم هدايا فاخرة من رجل الأعمال المصري جرجس يوسف للكابتن حسام حسن والكابتن إبراهيم حسن ولاعبي المنتخب، شملت شاليهات فاخرة وسيارات حديثة، تقديراً لما قدموه من إنجاز وطني.
ولا أحد يختلف على أن من يصنع الفرحة يستحق التكريم، ومن يرفع راية مصر يستحق كل التقدير والاحترام، لكن تبقى هناك قضية أكبر تستحق أن نتوقف أمامها بكل صدق ومسؤولية.
حين تتغير الأولويات... يدفع الفقراء الثمن
في وطن يعيش تحديات اقتصادية كبيرة، ويعاني فيه ملايين المواطنين من ضيق المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة، يصبح من حق كل مصري أن يتساءل: هل أصبحت الملايين تُنفق على من يملكون الملايين، بينما يظل المحتاج الحقيقي ينتظر من يمد إليه يد العون؟
كم مدرسة جديدة كان يمكن أن تُبنى بهذه الأموال لتقضي على كثافة الفصول؟
كم غرفة عمليات حديثة كان يمكن تجهيزها في مستشفى الدمرداش؟
كم سريراً إضافياً كان يمكن توفيره في مستشفيات الأطفال مثل 57357 وأبو الريش لإنقاذ حياة طفل ينتظر دوره بين الألم والأمل؟
إن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وإن إنقاذ حياة مريض أعظم من أي احتفال، وإن صناعة مستقبل طفل أفقر هي الجائزة الحقيقية التي يذكرها التاريخ.
ملف الغارمين... الجرح الذي ينزف بصمت
وهناك مأساة أخرى لا تقل ألماً، بل ربما تكون الأخطر على الإطلاق.
آلاف الغارمين والغارمات يقبعون خلف القضبان بسبب ديون بسيطة، أو أقساط أجهزة منزلية، أو قروض اضطروا إليها لمواجهة ظروف الحياة، فتعثرت أقدامهم وسُجنت أحلامهم، وتشردت أسرهم، وضاعت بيوت كانت تستحق أن تبقى عامرة.
كم أسرة تنتظر من يعيد إليها الأب؟
كم أم تنتظر من يرفع عنها حكم الحبس؟
كم طفل يتمنى أن يعود والده إلى منزله بدلاً من أن يعيش خلف الأسوار؟
إن سداد ديون الغارمين ليس مجرد عمل خيري، بل هو إعادة بناء أسر كاملة، وإعادة البسمة إلى وجوه أنهكها الفقر والانكسار.
رسالة إلى رجال الأعمال
هذه الكلمات ليست اعتراضاً على تكريم أبطال منتخب مصر، فهم يستحقون كل الشكر والعرفان على ما قدموه للوطن، لكنها دعوة مخلصة لإعادة ترتيب أولويات العطاء.
فالمريض أولى، والفقير أولى، واليتيم أولى، والغارم أولى، وصاحب الإعاقة أولى، والطالب الذي يبحث عن فصل يليق بكرامته أولى.
كم من مريض فشل كلوي ينتظر جهاز غسيل؟
كم من طفل يحتاج إلى زراعة قوقعة أو قرنية ليعود إليه السمع أو البصر؟
كم من شاب ينتظر طرفاً صناعياً ليقف على قدميه من جديد؟
كم أسرة فقيرة تحلم بشقة متواضعة تحفظ لها كرامتها؟
إن هذه المشروعات الإنسانية ستبقى شاهدة على أصحابها، أما الهدايا الفاخرة فستظل مجرد خبر يتداوله الناس أياماً ثم يطويه النسيان.
كلمة أخيرة
تحية واحترام لمنتخب مصر الذي أسعد شعباً بأكمله، وتحية لكل رجل أعمال يقدم الخير لوطنه، لكننا نأمل أن تتجه بوصلة العطاء دائماً نحو من هم أشد احتياجاً.
فالأوطان لا تُبنى بالشاليهات والسيارات وحدها، وإنما تُبنى بمدرسة تفتح أبواب العلم، ومستشفى تنقذ مريضاً، وبيت يعود إليه أب غارم، وطفل يجد فرصة للحياة.
هناك... فقط... يصبح العطاء رسالة، وتصبح الإنسانية أعظم استثمار، ويكتب التاريخ أسماء أصحاب الخير بحروف من نور

إرسال تعليق