عمال النظافة.. أبطال تحت أقدام المجتمع ورواتب لا تكفي ثمن الدواء!
وسط القمامة والأمراض.. من ينقذ من ينقذون الشوارع؟
إعداد الإعلامية بسمه بعكيش
في الوقت الذي تنشغل فيه المؤسسات والهيئات بمناقشة زيادة الأجور والمعاشات وتحسين مستوى المعيشة، يبقى هناك جيش صامت يعمل في الظل، لا يطالب إلا بلقمة عيش كريمة وحياة تحفظ له إنسانيته… إنهم عمال النظافة، الجنود المجهولون الذين يبدأون يومهم قبل شروق الشمس، وينهونه وسط أكوام القمامة وروائح التلوث والأمراض القاتلة، مقابل رواتب لا تتجاوز ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه!
أي عدالة تلك التي تجعل من ينظفون الشوارع ويحافظون على صحة المجتمع يعيشون هم أنفسهم تحت خط الفقر؟!
وأي منطق يقبل أن يواجه هؤلاء العمال المخاطر اليومية، من تلوث وأمراض صدرية وعدوى وحوادث، بينما لا يجد الكثير منهم ثمن العلاج أو حتى حياة آدمية تليق بما يقدمونه من تضحيات؟
عمال النظافة ليسوا مجرد موظفين يحملون المكانس أو يقودون سيارات القمامة، بل هم خط الدفاع الأول ضد انتشار الأوبئة والأمراض، وهم من يحافظون على صورة المدن والشوارع أمام المواطنين والزوار. ومع ذلك، يعيش أغلبهم في ظروف قاسية، برواتب هزيلة لا تتناسب مع حجم المخاطر التي يتعرضون لها يوميًا.
ورغم الأصوات التي ارتفعت مرارًا داخل البرلمان وفي وسائل الإعلام مطالبة بتحسين أوضاعهم وزيادة أجورهم ومنحهم حقوقًا صحية وتأمينية عادلة، إلا أن الواقع ما زال مؤلمًا، والوعود غالبًا ما تبقى حبيسة التصريحات والاجتماعات.
الكثير من عمال النظافة يخرجون يوميًا للعمل وهم يعلمون أنهم قد يعودون إلى منازلهم حاملين الأمراض بدلًا من الرواتب الكافية، ومع ذلك يواصلون العمل بصمت، لأن خلف كل عامل أسرة تنتظر قوت يومها.
إن الدولة التي تريد مجتمعًا نظيفًا ومتقدمًا، يجب أن تبدأ أولًا بإنصاف من يصنعون هذا النظافة بأيديهم المتعبة.
بل إن البعض يرى أن عمال النظافة يستحقون أن يكونوا من أعلى الفئات أجرًا في الدولة، لأنهم يعملون في بيئة خطرة، ويتعاملون مع مخلفات قد تهدد حياتهم كل يوم.
فكيف لمن يحمي المجتمع من التلوث أن يعيش هو نفسه مهددًا بالفقر والمرض؟
وكيف نطالبهم بالإخلاص والتفاني بينما أبسط حقوقهم ما زالت مؤجلة؟
إن تحسين أوضاع عمال النظافة لم يعد رفاهية أو مطلبًا ثانويًا، بل أصبح واجبًا إنسانيًا ومجتمعيًا عاجلًا، يبدأ برفع الرواتب، وتوفير التأمين الصحي الحقيقي، وصرف بدل مخاطر عادل، وتقديرهم معنويًا وإعلاميًا، لأن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من أبراج، بل بكيفية تعاملها مع أبسط وأشرف عمالها.
ويبقى السؤال الملتهب:
متى يأتي اليوم الذي يشعر فيه عامل النظافة أن الدولة والمجتمع يقدران تضحياته كما يستحق؟

إرسال تعليق