بين التحدي والحل.. ترشيد الكهرباء ومقترح غلق المحلات بقلم: د. هند البسام
دعوة لصياغة عقد اجتماعي جديد يوازن بين استقرار الطاقة والمصلحة الاقتصادية
بقلم: الإعلامية الدكتورة هند منير البسام
يواجه قطاع الطاقة في منطقتنا العربية، كما في العديد من بقاع العالم، تحدياً ملحمياً يتطلب وقفة جادة للمصارحة والمكاشفة. فمع تزايد الطلب على الطاقة الناتجة عن النمو السكاني وتوسع الأنشطة الاقتصادية، والضغوط الهائلة للاحترار العالمي، أصبح الحديث عن "ترشيد استهلاك الكهرباء" ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية للأمن القومي والاستدامة البيئية والاقتصادية.
إن تأمين وصول الطاقة لكل منزل ومنشأة بكفاءة واستقرار هو حق أصيل لكل مواطن، لكنه يفرض في المقابل مسؤولية جماعية لإدارته بحكمة، وهو ما يستدعي منا اليوم مناقشة المقترحات والمبادرات الجريئة، مثل مقترح "غلق المحلات التجارية والمولات في الساعة التاسعة مساءً".
أزمة الطاقة.. من فوهة البركان إلى الواقع المعيش
إن الوقائع الميدانية تشير إلى أن تزايد الأحمال الكهربائية، خاصة في فترات الذروة الصيفية، يضع ضغطاً غير مسبوق على شبكات النقل ومنشآت التوليد. ومع تذبذب أسعار النفط والغاز عالمياً، وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، لم يعد بإمكان أي نظام الاعتماد المطلق على استمرار الإمدادات الدائمة دون تبني ثقافة الترشيد.
إن هذه الأزمة لا تعني نقصاً في الموارد فحسب، بل هي جرس إنذار يدعونا لإعادة النظر في أنماط حياتنا واستهلاكنا، وهي التي أصبحت تلتهم ميزانيات ضخمة كانت أولى بها قطاعات أخرى كالصحة والتعليم.
مقترح غلق المحلات الساعة التاسعة مساءً.. المزايا والتحديات
إن الدعوة لتبكير غلق المحلات التجارية ليست أمراً مستحدثاً، بل هي ممارسة متبعة في العديد من الدول المتقدمة التي تتبنى مفهوم "اقتصاد النهار". إن غلق المحلات مبكراً يحقق مزايا متعددة:
* تخفيف الأحمال الذروية: إن غلق الآلاف من أجهزة التكييف والإنارة القوية والمعدات الكهربائية في المولات والمحلات دفعة واحدة يوفر وفراً هائلاً ومباشراً من الطاقة، مما يقلل احتمالية انقطاع التيار ويحافظ على كفاءة الشبكة.
* الاستقرار الاجتماعي والنفسي: يتيح للعاملين في القطاع التجاري فرصة العودة لمنازلهم وقضاء وقت أطول مع أسرهم، مما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية والاستقرار الأسري.
* التوازن الاقتصادي بعيد المدى: على الرغم من المخاوف الأولية من تأثر الحركة التجارية، إلا أن الدراسات تثبت أن السلوك الشرائي للمواطنين يتكيف مع المواعيد الجديدة، مع توفير تكاليف التشغيل الليلية الباهظة على أصحاب الأعمال.
ومع ذلك، تظل التحديات ماثلة؛ فثقافة التسوق الليلي متجذرة في بعض مجتمعاتنا، كما أن هناك قطاعات خدمية معينة قد تتأثر سلباً، وهو ما يفرض علينا ضرورة التخطيط المرن والاستثناءات المدروسة لضمان ألا يتحول الحل إلى أزمة اقتصادية جديدة.
الحلول البديلة والمستدامة.. طريقنا للمستقبل
إن التحدي الحقيقي ليس فقط في التضييق أو المنع، بل في تقديم البدائل الذكية والمستدامة. الإعلامية الدكتورة هند البسام تضع أمام صانع القرار والرأي العام ملامح الطريق نحو المستقبل:
1. التحول الشامل نحو مصادر الطاقة المتجددة:
يجب ألا نكتفي بوقف الاستهلاك، بل علينا خلق مصادر طاقة جديدة نظيفة. إن الشرق الأوسط يمتلك إمكانات هائلة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. يجب تسريع وتيرة الاستثمار في هذه المشروعات، وتشجيع الأفراد والشركات على تركيب الألواح الشمسية على الأسطح، وتحويل هذا الاستثمار إلى فرصة اقتصادية واعدة تخلق فرص عمل خضراء.
2. التحول الرقمي والتجارة الإلكترونية (E-Commerce):
إن المستقبل للتجارة هو الرقمي. إن تعزيز البنية التحتية للتجارة الإلكترونية، وتوفير بدائل شراء رقمية آمنة وفعالة، سيتيح للمواطنين التسوق في أي وقت من منازلهم دون الحاجة لفتح محلات تجارية مضيئة، مما يقلل من الاستهلاك المباشر للطاقة ويخلق نظاماً تجارياً مرناً لا يتوقف بانتهاء النهار.
3. تعزيز ثقافة اقتصاد النهار والترشيد المنزلي:
يجب أن تتبنى الدولة والمؤسسات التعليمية والإعلامية حملات توعوية مكثفة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي حول الطاقة. الترشيد يبدأ من المنزل؛ بإطفاء الأنارة غير الضرورية، واستخدام الأجهزة الموفرة، وضبط التكييف على درجات حرارة معقولة. إن ثقافة "النهار للعمل والليل للراحة" هي ثقافة صحية وموفرة.
مسؤولية مشتركة
الحقيقة المرة هي أننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نتبنى ثقافة الترشيد كمنهج حياة ونفكر بعمق في استراتيجيات جديدة كغلق المحلات مبكراً ودعم التجارة الرقمية والطاقة المتجددة، أو أن نستمر في الاستنزاف غير المستدام حتى نصل لنقطة اللاعودة التي تهدد اقتصادنا وبيئتنا وحياتنا اليومية.
إنني أدعو من منبري الإعلامي هذا صانعي القرار وأصحاب الأعمال وكافة أفراد المجتمع للدخول في حوار وطني مفتوح وبناء، عنوانه "الطاقة مسؤولية مشتركة"، لنتوافق على خارطة طريق توازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على مواردنا للأجيال القادمة.


إرسال تعليق