البطران: الزراعة تمثل 55% من السكان و60% من غذاء المصريين.. ونهضة كبرى خلال 10 سنوات بعد 15 عامًا من الركود
متابعة أحمد منازع
أكد الدكتور محسن البطران، رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ، أن قطاع الزراعة يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد القومي المصري، مشددًا على أنه لا يمكن صياغة خطط مستقبلية للدولة دون إدراك حقيقي لدوره المحوري في حياة المصريين، سواء على مستوى التشغيل أو الأمن الغذائي أو دعم الناتج المحلي.
الزراعة في أرقام.. قطاع يشغل أكثر من نصف المصريين
أوضح البطران أن القطاع الزراعي يمثل نحو 55% من السكان، ويعمل به قرابة 30% من إجمالي القوى العاملة في مصر، كما يسهم بما يتراوح بين 14 و15% من الناتج المحلي الإجمالي بقيمة تقدر بنحو 105 مليارات جنيه.
وأشار إلى أن الصادرات الزراعية بلغت 10.6 مليار دولار، منها 6.6 مليار دولار منتجات مصنعة و4 مليارات دولار مواد خام، فيما يوفر القطاع أكثر من 60% من احتياجات الغذاء المحلي، ما يعكس أهميته الاستراتيجية في تحقيق الأمن الغذائي.
10 سنوات خضراء بعد 15 عامًا عجاف
وخلال استضافته بندوة "أجري نيوز"، أكد البطران أن القطاع الزراعي شهد نهضة حقيقية خلال العقد الأخير، بعد فترة ركود استمرت ما بين 10 إلى 15 عامًا، حيث تم تنفيذ مشروعات قومية كبرى شملت:
استصلاح الأراضي
إنشاء أكثر من 100 ألف صوبة زراعية
تطوير الإنتاج الحيواني
مشروع "مستقبل مصر"
تبطين الترع ورفع كفاءة الري الحقلي
التوسع في المزارع السمكية
وأوضح أن إجمالي الاستثمارات في هذه المشروعات تجاوز 78 مليار جنيه، منها 38 مليار جنيه استثمارات حكومية مباشرة.
ورغم ذلك، أشار إلى أن معدل نمو الإنتاج الزراعي لا يتجاوز 4%، بينما يبلغ معدل نمو الاستهلاك نحو 7%، ما أدى إلى استمرار الفجوة الغذائية منذ عام 1974، نتيجة تغيرات في الميزان التجاري الزراعي عقب حرب 1973 والانفتاح الاقتصادي، فضلًا عن التحولات السكانية وتغير أنماط الاستهلاك والهجرة من الريف إلى المدن ودول الخليج.
نسب الاكتفاء الذاتي.. مؤشرات مقلقة
أوضح رئيس لجنة الزراعة أن نسب الاكتفاء الذاتي في عدد من المحاصيل الاستراتيجية لا تزال غير مستقرة، موضحًا:
القمح: نحو 50%
الذرة: حوالي 50%
الزيوت: نحو 10%
السكر: تحسن ملحوظ مؤخرًا
الدواجن: 100% (مع أزمة مؤقتة قبل رمضان بسبب جشع بعض التجار)
اللحوم: نحو 72%
وأكد أن الخطورة لا تكمن فقط في النسب الحالية، بل في احتمالية تراجعها، ما يعني الاعتماد المفرط على الأسواق العالمية، وهو ما يمثل تهديدًا للأمن الغذائي، خاصة في أوقات الأزمات كما حدث خلال جائحة كورونا والحرب الروسية–الأوكرانية، حيث واجهت مصر صعوبات في تأمين احتياجاتها رغم توافر العملة الصعبة، إلى جانب ارتفاع تكلفة الاستيراد نتيجة انخفاض قيمة الجنيه.
إصلاح التشريعات الزراعية.. ضرورة ملحة
كشف البطران أن لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ تعكف حاليًا على تعديل قانون التعاونيات، إضافة إلى مراجعة قانون الزراعة الصادر عام 1966.
وأوضح أن قانون التعاونيات فقد دوره الحقيقي، بعدما اقتصر على توزيع الأسمدة فقط، بدلًا من أداء مهامه الأساسية التي تشمل:
مساعدة المزارعين
تطبيق الزراعة التعاقدية
توفير مستلزمات الإنتاج
تجميع وتسويق الحاصلات
دعم الحيازات الصغيرة
إقامة صناعات ريفية ذات قيمة مضافة
التصدير
وأشار إلى أن التعاونيات في مصر لا تؤدي دورها كما هو الحال في تجارب دول مثل إيطاليا وألمانيا، مطالبًا بإعادة هيكلتها لتصبح فاعلة في التسويق والتصنيع والتجميع.
كما شدد على أن قانون الزراعة الحالي لم يعد مناسبًا بعد مرور نحو 60 عامًا، في ظل التغيرات المناخية، وتعاظم دور القطاع الخاص، واتساع مساحات الأراضي المستصلحة، ما يتطلب تشريعًا عصريًا يشجع الإنتاج ويوفر حماية قانونية للمستثمرين مع مواكبة التطورات التكنولوجية والمناخية.
الزراعة التعاقدية.. ضمان استقرار المزارع
أكد البطران أن الزراعة التعاقدية تمثل حجر الزاوية في دعم الفلاح المصري، موضحًا أنها تقوم على عقد ثلاثي بين المزارع والجمعية والجهة المستفيدة (مصنع أو تاجر)، يحدد سعرًا عادلًا مسبقًا يضمن هامش ربح مناسب.
ولفت إلى أن عدم إعلان السعر في الوقت المناسب يؤدي إلى اختلال التوازن بين تكلفة الإنتاج وسعر المحصول، مستشهدًا بارتفاع سعر السماد من 270 جنيهًا إلى أكثر من ألف جنيه دون زيادة موازية في أسعار المحاصيل.
وشدد على ضرورة إعلان السعر قبل موسم الزراعة بشهرين إلى ثلاثة أشهر، حتى يتمكن المزارع من اتخاذ قراراته الإنتاجية على أسس واضحة.
تحديات صغار المزارعين.. الحيازات القزمية في المقدمة
أبرز رئيس لجنة الزراعة مجموعة من التحديات التي تواجه المزارعين، خاصة صغار الحائزين، موضحًا أن:
85% من مزارعي الأراضي القديمة يمتلكون أقل من فدانين
80% يمتلكون أقل من فدان واحد
ووصف هذه الحيازات بـ"القزمية"، مؤكدًا أن استمرار هذا الوضع دون دعم حقيقي سيدفع المزارعين إلى الخروج من النشاط الزراعي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الأراضي ببعض المناطق إلى 20 و30 ألف جنيه للمتر، مقابل عائد زراعي لا يغطي التكلفة.
وأضاف أن من أبرز المشكلات:
عدم توازن أسعار التوريد مع تكلفة مستلزمات الإنتاج
ضعف تطبيق الزراعة التعاقدية
تذبذب الأسعار، مثل انخفاض سعر بنجر السكر من 2400 إلى 2000 جنيه
انتشار مستلزمات إنتاج مغشوشة خاصة المبيدات
ضعف جهاز الإرشاد الزراعي
تدهور جودة التقاوي نتيجة إعادة استخدامها
خاتمة:
واختتم الدكتور محسن البطران تصريحاته بالتأكيد على أن الزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل قضية أمن قومي تتطلب رؤية تشريعية حديثة، وسياسات سعرية عادلة، ودعمًا حقيقيًا لصغار المزارعين، حتى تتمكن الدولة من تقليص الفجوة الغذائية وتحقيق الاستقرار والأمن الغذائي للمصريين.

إرسال تعليق