زلزال قضائي يهز ملف الزواج العرفي!
«ورقة عرفية» لا تصنع زواجًا.. ولا تمنح حصانة من العقاب!
أحكام قضائية تفتح باب المواجهة مع عقود الزواج غير المستوفية للشروط.. ومحكمة النقض تحسم: لا غطاء قانونيًا لجريمة باسم الزواج العرفي!
بقلم الإعلامي/ رأفت عبده
رئيس مجلس الإدارة الإعلامي لجريدة الأهرام الإخبارية
في تطور قضائي يسلط الضوء على واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية والقانونية حساسية، تعود ظاهرة الزواج العرفي إلى واجهة النقاش بقوة، بعد صدور أحكام قضائية أكدت أن مجرد تحرير ورقة عرفية لا يكفي لإضفاء الشرعية على علاقة تفتقد أركان الزواج وشروطه، وأن الادعاء بوجود زواج لا يُسقط المسؤولية الجنائية متى ثبتت أركان الجريمة وتوافرت أدلتها.
الرسالة القضائية الحاسمة: لا يجوز تحويل الزواج العرفي إلى ستار يحتمي خلفه من يرتكب جريمة، ولا يمكن لورقة مكتوبة أن تمنح صاحبها حصانة من المساءلة القانونية!
فقد أصدرت محكمة النقض، الدائرة الجنائية «ب»، حكمها في الطعن رقم 1661 لسنة 95 قضائية، بجلسة 27 سبتمبر 2025، برفض الطعن المقدم من المحكوم عليه، في قضية تتعلق بهتك عرض فتاة قاصر، بعدما تمسك الدفاع بوجود زواج عرفي باعتباره سببًا لإباحة العلاقة.
غير أن المحكمة أيدت النتيجة التي انتهى إليها الحكم المطعون فيه، مؤكدة أن العقد العرفي الذي لا يستوفي الأركان والشروط اللازمة لاعتباره زواجًا صحيحًا لا يصلح ذريعة لنفي الجريمة أو إسقاط المسؤولية الجنائية.
ووفقًا لما ورد في أسباب الحكم، فإن الواقعة لم تكن مجرد خلاف حول صحة عقد زواج، بل قضية جنائية تتعلق بحقوق فتاة لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها، وبمدى جواز الاحتجاج بعقد عرفي غير مستوفٍ للشروط في مواجهة اتهام جنائي.
وهنا تكمن خطورة الرسالة: تغيير اسم العلاقة أو تحرير ورقة بشأنها لا يغير حقيقتها القانونية، ولا يلغي ما قد يترتب عليها من مسؤولية جنائية.
⚖️ أولًا: محكمة النقض تضع حدًا للاحتجاج بالعقد العرفي في القضايا الجنائية
جاء حكم محكمة النقض ليؤكد مبدأ بالغ الأهمية، وهو أن المسؤولية الجنائية لا تسقط لمجرد ادعاء المتهم وجود زواج عرفي، إذا ثبت للمحكمة أن العقد لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لاعتباره زواجًا صحيحًا، وأن الفعل المرتكب تتوافر فيه أركان الجريمة.
وفي القضية محل الطعن، تمسك الدفاع بحسن النية وبأن العلاقة تمت في إطار زواج عرفي، إلا أن المحكمة لم تعتبر هذا الادعاء كافيًا لنفي المسؤولية، وأوضحت أن الإباحة القانونية لا تقوم على ادعاء مجرد، وإنما تستلزم وجود حق معترف به في النظام القانوني النافذ.
كما أكدت المحكمة أن جريمة هتك العرض لا يشترط لقيامها أن يترك الفعل أثرًا جسديًا على المجني عليها، متى توافرت العناصر القانونية للجريمة وثبتت بالأدلة التي تطمئن إليها المحكمة.
ثانيًا: عشرة مبادئ قضائية تستحق التوقف أمامها
كشف الحكم عن مجموعة من المبادئ المهمة التي تتعلق بحدود الاحتجاج بالزواج العرفي في القضية المعروضة، وأبرزها:
1- الزواج العرفي ليس حصانة جنائية:
مجرد الادعاء بوجود عقد عرفي لا يمنع المساءلة عن جريمة ثبتت أركانها القانونية.
2- صحة الإجراءات شرط لنظر الطعن:
أكدت المحكمة استيفاء الطعن للشكل المقرر قانونًا قبل نظر موضوعه.
3- العقد غير المستوفي للشروط لا يرفع صفة الجريمة:
لا يكفي التمسك بعقد عرفي لإباحة فعل إذا لم يكن العقد مستوفيًا للشروط التي يتطلبها القانون والنظام القانوني الواجب التطبيق.
4- الفعل المادي عنصر أساسي في إثبات الجريمة:
تحديد طبيعة الفعل وظروف ارتكابه من المسائل التي تستند إليها المحكمة في التحقق من توافر الركن المادي.
5- القصد الجنائي يُستخلص من الوقائع والظروف:
تستطيع المحكمة استخلاص توافر القصد الجنائي من ظروف الدعوى وملابساتها متى كانت أسبابها سائغة وكافية.
6- شروط الزواج لا يجوز تجاهلها:
تناول الحكم اشتراط الولي وشاهدي العدل والصيغة والمهر في الزواج العرفي وفق ما أورده من أسانيد شرعية وقانونية.
7- الادعاء بحسن النية لا يكفي وحده لنفي المسؤولية:
العبرة بتوافر أركان الجريمة ومدى ثبوتها، لا بمجرد الوصف الذي يسبغه المتهم على تصرفه.
8- عدم وجود أثر جسدي لا ينفي الجريمة بالضرورة:
أوضح الحكم أن جريمة هتك العرض لا يشترط لقيامها قانونًا أن يترك الفعل أثرًا بجسم المجني عليها.
9- الخطأ في تفصيل المهر لم يكن حاسمًا في هذه القضية:
رأت المحكمة أن الخطأ الذي أُثير بشأن بيان مقدار المهر لم يكن مؤثرًا في جوهر الواقعة أو النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
10- للمحكمة استخلاص الحقيقة من أدلة الدعوى:
يجوز للمحكمة أن تستخلص توافر أركان الجريمة من مجموع الوقائع والظروف والأدلة، متى كان استخلاصها سائغًا وكافيًا.
وهذه المبادئ، في سياق القضية التي صدر فيها الحكم، تؤكد أن العبرة ليست بمجرد وجود ورقة تحمل عنوان «عقد زواج»، وإنما بحقيقة الواقعة ومدى استيفاء العقد للشروط اللازمة، وبثبوت عناصر الجريمة من عدمه.
ثالثًا: استئناف القاهرة.. لا زواج بلا شروط معتبرة
وفي مسار قضائي آخر يتعلق بإثبات العلاقة الزوجية، صدر حكم محكمة استئناف القاهرة في الاستئناف رقم 13049 لسنة 7 قضائية، بتاريخ 28 أكتوبر 2025، بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من إثبات علاقة زوجية، والقضاء مجددًا برفض الدعوى، وفقًا للتفاصيل المنشورة عن الحكم.
وتناولت أسباب الحكم، بحسب ما نُشر، شروط الاعتداد بعقد الزواج العرفي، وعدم الاعتداد بالإقرار المخالف للنظام العام، فضلًا عن الضوابط المتعلقة بمن يملك الإقرار في المسائل الشخصية.
وتكشف هذه القضية جانبًا آخر من الإشكالية؛ فإثبات العلاقة الزوجية أمام القضاء ليس مجرد إجراء شكلي، بل يتطلب تقديم ما يكفي من أدلة ومستندات، مع مراعاة الشروط القانونية والشرعية ذات الصلة.
فالعقد الذي لا تتوافر فيه شروطه لا يكتسب الصحة لمجرد رغبة أحد طرفيه في إثباته، كما أن الإقرار وحده لا يحسم النزاع في جميع الأحوال.
رابعًا: محكمة حوش عيسى.. غياب الدليل أسقط دعوى إثبات الزواج
وفي واقعة أخرى، أصدرت الدائرة الرابعة بمحكمة حوش عيسى لشؤون الأسرة حكمها في الدعوى رقم 3200 لسنة 2025 أسرة حوش عيسى، برفض دعوى إثبات علاقة زوجية.
وبحسب تفاصيل الحكم المنشورة، أقام المدعي دعواه طالبًا إثبات علاقة الزوجية اعتبارًا من 21 يناير 2022، مستندًا إلى ادعائه وجود عقد زواج عرفي.
لكن المحكمة لم تطمئن إلى شهادة الشاهدين؛ إذ لم يشهد أحدهما انعقاد الزواج، ولم يحدد الآخر ما إذا كانت أركان الزواج وشروطه قد استوفيت.
كما لم يقدم المدعي أصل العقد العرفي الذي جحده وكيل المدعى عليها.
وانتهت المحكمة إلى أن المدعي لم يقدم ما يكفي لإثبات توافر أركان وشروط الزواج، فقضت برفض الدعوى بحالتها، وألزمته بالمصاريف ومبلغ خمسة وسبعين جنيهًا مقابل أتعاب المحاماة.
ويؤكد هذا الحكم، في حدود وقائع الدعوى، أن عبء الإثبات لا يسقط عن المدعي لمجرد قوله إنه تزوج عرفيًا، وأن المحكمة لا تقضي بثبوت علاقة زوجية إلا بناءً على ما يقدم إليها من أدلة تطمئن إليها.
خامسًا: الخطر الحقيقي.. حين تتحول الورقة العرفية إلى وسيلة للخداع
بعيدًا عن التفاصيل الإجرائية، تثير هذه الأحكام سؤالًا اجتماعيًا بالغ الأهمية: ماذا يحدث عندما تُستخدم ورقة عرفية لإيهام فتاة بأن العلاقة التي تدخلها زواج صحيح وموثق، ثم تكتشف لاحقًا أنها لا تملك ما كانت تعتقد أنه يحمي حقوقها؟
في مثل هذه الوقائع، لا تكون المشكلة مجرد نزاع على ورقة، بل قد تتعلق بحقوق فتاة وكرامتها ومستقبلها، وبمدى مسؤولية من استغل صغر سنها أو ظروفها الاجتماعية لإقناعها بعلاقة لا تتوافر فيها الضمانات القانونية اللازمة.
ومن هنا تأتي ضرورة التوعية القانونية، وعدم الانسياق وراء وعود شفهية أو عقود غير مستوفية للشروط، والرجوع إلى الجهات المختصة للتحقق من صحة الإجراءات وضمان الحقوق.
كما ينبغي التمييز بين الزواج العرفي الذي تتوافر فيه الشروط اللازمة وبين العلاقة التي لا تستوفي أركان الزواج، لأن الأحكام المشار إليها لا تعني أن محكمة النقض جرّمت جميع صور الزواج العرفي على إطلاقها، وإنما قررت أن العقد غير الصحيح لا يصلح غطاءً لنفي جريمة ثبتت أركانها.
الرسالة الأخيرة.. القانون لا يعترف بالأسماء بقدر ما ينظر إلى الحقائق
إن خطورة هذه الأحكام لا تكمن في العناوين المثيرة وحدها، بل في المبدأ الذي تؤكده: لا يجوز الاحتماء بعقد غير مستوفٍ لشروطه للإفلات من المسؤولية الجنائية، ولا يكفي الادعاء بوجود زواج لإسقاط حقوق الطرف الأضعف أو تجاوز الضوابط التي وضعها القانون.
فالزواج مسؤولية، وليس مجرد ورقة. وحماية القاصرات ليست قضية هامشية، بل واجب قانوني ومجتمعي. وصون الحقوق لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالوعي والإثبات واحترام القانون.
ومن هنا، فإن الرسالة الأهم لكل أسرة ولكل فتاة ولكل شاب: لا تجعلوا الثقة وحدها بديلًا عن التحقق من صحة الزواج، ولا تسمحوا لأحد باستغلال جهل قانوني أو ظروف اجتماعية لفرض علاقة لا تحمي الحقوق.

إرسال تعليق