U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

وهم في علبة.. حين يشتري الشباب النشاط ويدفعون الثمن من صحتهم

 وهم في علبة.. حين يشتري الشباب النشاط ويدفعون الثمن من صحتهم 



كتبت الإعلامية الدكتورة هند منير البسام 



لم تعد مشروبات الطاقة مجرد علب ملونة تُباع على أرفف المتاجر، بل أصبحت لدى بعض الشباب رمزًا للسهر، والإنجاز السريع، والقدرة على مواصلة اليوم مهما بلغ التعب.

 لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه: هل نمنح أجسادنا طاقة حقيقية، أم نستدين من صحتنا لنواصل الركض؟

في زمن تتسارع فيه الحياة، ويُطلب من الشباب أن يدرسوا ويعملوا وينجحوا ويواكبوا كل جديد، أصبح الإرهاق وكأنه عيب يجب إخفاؤه، وأصبحت الراحة في نظر البعض نوعًا من الكسل. وهنا تظهر الحلول السريعة، وعلى رأسها مشروبات الطاقة، التي قد تمنح شعورًا مؤقتًا باليقظة، لكنها لا تعوّض النوم ولا تعالج أسباب الإجهاد.

المشكلة ليست في علبة فقط.. بل في ثقافة كاملة!

حين يربط الشاب بين النجاح والسهر المتواصل، وبين القوة وتجاهل التعب، فإنه يضع نفسه أمام معادلة غير عادلة: أن يستهلك جسده اليوم ليحافظ على صورته أمام الآخرين.

وتزداد أهمية التوعية عندما يتعلق الأمر بالمراهقين، الذين قد ينجذبون إلى الإعلانات والتصميمات الجذابة، أو يقلدون أصدقاءهم دون إدراك كافٍ لكمية الكافيين والمنبهات التي يستهلكونها، أو تأثيرها المحتمل في النوم وضربات القلب والقلق.

ومن الناحية النفسية، قد يلجأ بعض الشباب إلى هذه المشروبات لمقاومة ضغط الدراسة والعمل، لكن الحل الحقيقي لا يبدأ من العلبة، بل من فهم أسباب الإرهاق، وتنظيم النوم، وتخفيف الضغوط، وتعلّم إدارة الوقت بصورة صحية.

هل نلوم الشباب أم نراجع أسلوب الحياة الذي نفرضه عليهم؟

لا يمكن أن نحمّل الشباب وحدهم المسؤولية، بينما يعيش كثيرون منهم تحت ضغط الإنجاز المستمر، والمقارنة بالآخرين، والخوف من التأخر عن الركب.

 كما أن الأسرة والمدرسة والإعلام لهم دور أساسي في بناء الوعي، بعيدًا عن التهويل أو الترويج غير المسؤول.

المطلوب ليس تخويف الناس، وإنما تقديم معلومات علمية واضحة، وتشجيع الشباب على قراءة الملصقات الغذائية، والانتباه إلى محتوى الكافيين، وعدم الجمع بين مصادر متعددة للمنبهات. 

أما الأطفال والمراهقون، فمن الأفضل تجنيبهم مشروبات الطاقة، مع الرجوع إلى الإرشادات الصحية الموثوقة عند وجود أي استفسار.

ولا ينبغي أن ننسى أن الخفقان الشديد أو ألم الصدر أو الإغماء بعد تناول مشروب طاقة يستدعي طلب المساعدة الطبية العاجلة.

رسالتنا إلى كل شاب وشابة:

أنت لست آلة مطالبة بالعمل طوال الوقت، وجسدك ليس خصمًا تحاول الانتصار عليه. 

النجاح الحقيقي ليس أن تواصل يومك مهما كان الثمن، بل أن تعرف متى تعمل، ومتى تستريح، وكيف تحافظ على صحتك وأنت تسعى إلى أحلامك.

إن بناء جيل قوي لا يبدأ بتعليمه كيف يتحمل الإرهاق إلى ما لا نهاية، بل كيف يحمي نفسه، ويفهم احتياجات جسده، ويتخذ قرارات واعية.

فهل نحتاج فعلًا إلى طاقة داخل علبة، أم نحتاج إلى مجتمع يمنح أبناءه حق الراحة، وفرصة النجاح، وثقافة تحترم الصحة قبل الإنجاز؟


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة