مصر ليست لقمة سائغة.. الوعي الوطني في مواجهة ماكينة التشويه والتحريض
بقلم: رأفت عبده
في توقيت تتزاحم فيه الأزمات وتتسابق فيه الشائعات، تبدو مصر أمام موجة إعلامية وإلكترونية تستحق التوقف أمامها بعين واعية وعقل لا تنطلي عليه الأكاذيب. فالمشهد لم يعد مجرد خبر هنا أو تعليق هناك، وإنما سيل متواصل من المحتوى الذي قد يتعمد اقتطاع الوقائع من سياقها، وتضخيم بعض الأحداث، وتقديم روايات غير مكتملة، ثم إعادة تدويرها حتى تتحول الشائعة في أذهان البعض إلى «حقيقة».
السؤال الأخطر ليس: من نشر الخبر؟ بل من المستفيد من إشعال حالة الشك؟
مصر دولة كبيرة، ومؤسساتها ليست فوق النقد، لكنها في الوقت نفسه ليست هدفًا مباحًا للتشويه أو منصة مفتوحة لترويج الأكاذيب. والفرق كبير بين النقد الوطني المسؤول الذي يكشف الخلل ويطالب بالإصلاح، وبين خطاب يسعى إلى هدم الثقة في الدولة ومؤسساتها من خلال التعميم والتحريض والاجتزاء.
خلال الفترة الأخيرة، أصبح واضحًا أن بعض المنصات والصفحات تتعامل مع أي حادث فردي وكأنه صورة كاملة عن الدولة، وتنتزع واقعة من مكانها وزمانها، ثم تبني عليها رواية ضخمة. وقد يتحول موقف أمني أو واقعة جنائية أو مشكلة خدمية محلية إلى مادة دعائية واسعة، بينما يتم تجاهل عشرات الوقائع الأخرى التي لا تخدم الرواية التي يريد أصحابها تسويقها.
وهنا يجب أن نكون أكثر حذرًا.
ليس كل ما ينتشر على مواقع التواصل حقيقة، وليس كل فيديو كاملًا، وليس كل عنوان بريئًا، وليس كل حساب مجهول المصدر صحفيًا.
الإعلام الحقيقي مسؤولية، ونقل المعلومات مسؤولية، والتعليق على الوقائع مسؤولية أكبر. ومن حق المواطن أن يعرف الحقيقة كاملة، لكن من حقه أيضًا ألا يُخدع بعناوين مثيرة أو مقاطع مبتورة أو روايات مجهولة المصدر.
الأمن ليس خصمًا للمواطن.. والمواطن ليس خصمًا للدولة
من أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع هو محاولة صناعة حالة عداء دائم بين المواطن ورجل الشرطة أو بين الشعب ومؤسسات الدولة.
نعم، أي تجاوز من أي موظف عام يجب أن يخضع للقانون، وأي مواطن له كامل حقوقه التي يكفلها الدستور والقانون. لكن في المقابل، لا يجوز تحويل مقاومة تنفيذ القانون أو الاعتداء على رجل أمن أثناء أداء واجبه إلى بطولة إعلامية، ولا يجوز تصوير كل محاولة لفرض النظام على أنها اعتداء على المواطنين.
الدولة القوية هي التي تطبق القانون، والمواطن الواعي هو الذي يعرف حقوقه وواجباته.
والأجهزة الأمنية المصرية تتحمل مسؤولية ضخمة في حماية الشارع ومواجهة الجريمة وحفظ الأمن، ومن الطبيعي أن تكون تحت المراقبة والمحاسبة وفق القانون، لكن ذلك لا يعني السماح بتشويه المؤسسة الأمنية بأكملها بسبب خطأ فردي، كما لا يعني إعطاء أي فرد حصانة من المساءلة.
المعادلة الصحيحة واضحة:
لا ظلم باسم الأمن.. ولا فوضى باسم الحرية.
عندما تتحول الحادثة الصغيرة إلى قضية عالمية!
الأكثر إثارة للتساؤل هو حجم إعادة تدوير بعض الأخبار المصرية عبر منصات وصفحات متعددة، بحيث تبدأ الواقعة محليًا، ثم تتحول خلال ساعات إلى قصة تتصدر المشهد وكأن مصر وحدها التي تعاني من الأزمات.
وهنا لا بد من التأكيد على قاعدة مهنية بسيطة: الخبر يجب أن يخضع للتحقق قبل الترويج، والسياق أهم من الإثارة، والوقائع أهم من الانطباعات.
ومن حق الصحافة الدولية والعربية أن تتابع الشأن المصري، ومن حق أي وسيلة إعلام أن تنتقد السياسات والقرارات، لكن المهنية تقتضي الاستماع إلى جميع الأطراف، والعودة إلى المصادر الرسمية والمستقلة، وعدم تقديم الادعاءات باعتبارها حقائق نهائية قبل التحقق منها.
فالفرق بين الصحافة والدعاية هو التحقق.
مصر تحتاج إلى وعي.. لا إلى ذعر
المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع شائعة، وإنما مع قدرة الشائعة على صناعة الخوف وفقدان الثقة.
ولهذا فإن وعي المواطن أصبح خط الدفاع الأول.
المواطن الذي يتحقق قبل أن يشارك، ويسأل عن المصدر قبل أن يصدق، ويميز بين النقد والتحريض، وبين المعارضة السياسية والشائعة، وبين الخطأ الفردي وأداء المؤسسة؛ هو مواطن يحمي بلده دون أن يتخلى عن حقه في المطالبة بالإصلاح.
والدفاع عن مصر لا يعني أن نغلق أعيننا أمام المشكلات.
بل يعني أن نواجه المشكلات بعقل، ونطالب بحلول حقيقية، ونرفض في الوقت نفسه أن تتحول معاناة المواطنين إلى وقود لمعارك سياسية أو حملات تشويه.
والحكومة أيضًا أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل
إذا كان الوعي الشعبي مطلوبًا، فإن أداء الحكومة والمؤسسات التنفيذية مطلوب منه الكثير.
لا يكفي أن نقول للمواطن «كن واعيًا» بينما يعاني من ارتفاع الأسعار أو ضعف بعض الخدمات أو مشكلات يومية تضغط على حياته.
خففوا الأعباء عن الناس.. اقتربوا منهم.. اسمعوا شكواهم.. واجعلوا الأولويات الحقيقية للمواطن في مقدمة القرار.
فكل مشكلة تُحل في وقتها تغلق بابًا أمام الشائعة، وكل خدمة تتحسن تقلل مساحة الاحتقان، وكل مسؤول يفتح بابه أمام المواطن يسحب البساط من تحت أقدام من يتربصون بالدولة.
المواطن لا يريد خطبًا طويلة؛ يريد أن يرى أثرًا حقيقيًا على الأرض.
مصر أكبر من حملة.. وأقوى من شائعة
مصر ليست منشورًا على «فيسبوك»، وليست مقطع فيديو مدته دقيقة، وليست عنوانًا مثيرًا على منصة إلكترونية.
مصر دولة بتاريخها وشعبها ومؤسساتها وجيشها وشرطتها وقضائها وكل أبنائها.
قد نختلف في السياسات، وقد ننتقد أداء مسؤول، وقد نطالب بتغيير قرار، وقد نكشف خللًا ونحاسب مخطئًا، وهذا كله من صميم بناء الدولة الحديثة.
لكن هناك خطًا لا ينبغي تجاوزه: أن يتحول النقد إلى تحريض، وأن تتحول المعلومة غير المؤكدة إلى حقيقة، وأن يتحول الخطأ الفردي إلى اتهام لمؤسسة كاملة، وأن يصبح استقرار الوطن نفسه مادة للمزايدة.
الدولة لا تقوى بالصمت، ولا تحمى بالتصفيق، وإنما تقوى بالوعي والقانون والعدل والعمل.
ومصر، رغم كل الضغوط والتحديات، تظل قادرة على حماية أمنها واستقرارها عندما تتكاتف مؤسساتها وشعبها، وعندما يشعر المواطن أن الدولة تسمعه وتحميه وتعمل من أجله.
فلنختلف كما نشاء، ولننتقد كما نشاء، ولكن لا نسمح لأحد أن يحول اختلافنا إلى كراهية، أو معاناتنا إلى فوضى، أو غضبنا إلى وقود يستهدف الوطن.
مصر ليست معصومة من المشكلات، لكنها ليست مستباحة للتشويه.
ومصر ليست فوق النقد، لكنها أيضًا ليست بلا مؤسسات تدافع عنها.
وفي النهاية، يبقى الوطن هو المساحة التي تجمعنا جميعًا.
حفظ الله مصر وشعبها، وحفظ مؤسساتها الوطنية، ووفق قيادتها إلى ما فيه الخير للبلاد والعباد، وألهم الجميع طريق الحكمة والقانون والوعي، وجنب وطننا الفتن والشائعات ومخططات الفوضى.
مصر آمنة بإذن الله.. ووعي أبنائها هو صمام أمانها.

إرسال تعليق