U3F1ZWV6ZTExNzExNjIzMDIyMzZfRnJlZTczODg3MDQ1MTQwMQ==

ظنّ السوء… نار خفية تحرق القلوب وتفكك العلاقات

ظنّ السوء… نار خفية تحرق القلوب وتفكك العلاقات
ظنّ السوء… نار خفية تحرق القلوب وتفكك العلاقات

بقلم : رافت عبده 

في زوايا النفس المظلمة، حيث تتسلل الهواجس وتتعاظم الشكوك، يولد “ظنّ السوء” كضيفٍ ثقيل لا يُرى، لكنه يترك آثارًا مدمرة في كل ما يلمسه. ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو سلوك خطير يُفسد العلاقات، ويزرع العداوة، ويحوّل أبسط المواقف إلى ساحات صراع نفسي لا ينتهي.

ظنّ السوء هو أن تفسر تصرفات الآخرين بأقبح المعاني دون دليل، وأن تُلبس النوايا ثوب الشك والريبة. قد ينظر إليك شخصٌ صامتًا، فتظنه يتآمر عليك، أو يتأخر صديقك في الرد، فتعتقد أنه يتجاهلك عمدًا. وهكذا تبدأ سلسلة من الأحكام المسبقة التي لا تستند إلى حقيقة، بل إلى خوفٍ داخلي أو تجارب سابقة لم تندمل.

وقد حذرنا الدين الإسلامي من هذا السلوك تحذيرًا واضحًا، حيث يقول الله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم"
وهنا تتجلى الحكمة؛ فليس كل ظن مذموم، لكن ظن السوء الذي يُبنى بلا دليل، ويؤدي إلى ظلم الآخرين، هو الإثم بعينه.

آثار ظن السوء لا تقف عند حدود التفكير، بل تمتد لتدمير العلاقات الإنسانية. فكم من صداقة انتهت بسبب سوء فهم، وكم من بيتٍ تهدّم لأن أحد أطرافه أساء الظن بالآخر! إنه كالسمّ البطيء، يتسلل إلى القلوب، فيقتل الثقة، ويزرع الكراهية، ويجعل الإنسان يعيش في قلق دائم.

والأخطر من ذلك، أن ظن السوء يعكس ضعفًا داخليًا في صاحبه؛ فهو غالبًا نتاج انعدام الثقة بالنفس، أو الخوف من الخذلان، أو التعود على رؤية الجانب السلبي في كل شيء. فيتحول صاحبه إلى أسيرٍ لأفكاره، لا يرى الخير حتى لو كان واضحًا أمامه.

لكن العلاج ممكن، وبداية الشفاء تكون بحسن الظن. أن تلتمس الأعذار للآخرين، وأن تمنحهم مساحة من الثقة، وأن تُحسن تفسير المواقف بدلًا من تحميلها ما لا تحتمل. فليس كل صمت تجاهل، وليس كل غياب إهمال.

وفي النهاية، يبقى ظنّ السوء اختيارًا… نعم، اختيار نمارسه أحيانًا دون وعي، لكنه قابل للتغيير. فلنختر أن نكون أنقياء القلوب، نحمل في داخلنا حسن النية، وننظر للناس بعين الرحمة لا بعين الشك. فالحياة أقصر من أن نُثقلها بأوهامٍ لا أساس لها، وأجمل ما فيها أن نعيشها بقلوبٍ مطمئنة، لا تعرف إلا الصفاء.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة