طارق سلامه يكتب ...حب الله ابقي
لا غرو ..كم نحن فى اشد الحاجه فى ايامنا هذه إلى جرعات روحيه تثمر فينا حب الله جل وعلا فى عصر طغى فيه حب الماده باختلاف أنواعها وكثرة الصراعات الدوليه والضغوط الاقتصادية و أصبح العالم كله على شفا حفره ......
.وكم نحن في امس الحاجة الى غذاء روحى ينمو بهمتها ويحلق بها من عالم الماده إلى عالم الغيب والشهادة أو بالأحرى من عالم الملك إلى عالم الملكوت ....بغية أن يصفى نفوسنا من الكدورات وينقيها من الصفات المذمومات .
إن حب الخالق جل وعلا لم يتذوقه الا الصفوه من خلقه ، وقال تعالى ( يحبهم ويحبونه ) ولولا سبقت إليهم محبته ما حظوا بها ولا قطفوا ثمرتها ولا استنشقوا أريجها ولا عبير زهورها فكما قال مولانا الشعراوى : قوم صافوا الله فصافاهم الله ...
فكان دابهم بالليل والنهار ذكره والسهر لمناجاته حتى يرضى عنهم ، قال جل وعلا فى حديثه القدسي : من طلبنى وجدنى ، ومن وجدنى عرفنى ، ومن عرفنى احبنى، ومن احبنى احببته ، ومن احببته عشقته ، ومن عشقته قتلته ، ومن قتلته كنت ديته ، ومن كنت ديته كان عبدا ربانيا يقول للشيئ كن فيكون ....
قوم ادركتهم العنايه الازليه ، فتذوقوا محبته ، فادركوا أن حبه كنز وصفاء ، وواحة وهناء ، وغاية وجزاء ...فمات أهل الدنيا و هم احياء ، وعاش اهل الحب الاوفياء ...
شعارهم ..لو أدرك الملوك ما نحن فيه من لذه لنازعونا عليها بالسيوف ، حتى أفاض احدهم بحاله قائلا : فلما بدت للقلوب تزاحمت على حسنها للعاشقين مطامع ..
مابالنا بقوم عبدوا الله لا طمعا ف في جنة ولارضوان ، ولاحور ولا ولدان ، وانما مرادهم الله ، ومبتغاهم رضاه ، وقد عبرة سيدة العشق رابعه قائله : اللهم إن كنت اعبدك طمعا فى جنتك فاحرمنى اياها ، وان كنت اعبدك خوفا من نارك فاقذفنى فيها ، وانما اعبدك حبا فيك وتعظيما لجلالك ...
وقيل ..من لم يذق الحب الأدنى لم يرقى إلى الحب الاعلى ، بمعنى من لم يتذوق الحب البشرى لم ولن يرقى الى حب الله ..فالحب ثمرته القرب من حضرته الطاهره ، فقد جاء في الخبر أنه : حكم الملك القدوس ألا يدخل حضرته ذوو النفوس .
وبالحب يخطو العبد ويرقى لمقامات لا يحظاها بكثرة الاجتهادات ، أو ادمان العبادات لانه بالحب تنتشي الروح وترقى لحضرة باريها حيث المعيه والاتصال والانس الابدى ، قال تعالى ( افمن كان ميتا فاحييناه ...) حينها يدرك العبد انه لا شيئ هناك سوى الله وأنه لا محبوب سواه ..وكل حب لغير الله ينهار وكل تعلق بسواه محض سراب ، كان قبل كل شيئ ولا شيئ بعده ..
ويفطن لحقيقة الامانه التى ميزه الله بها عن غيره من المخلوقات ( أنا عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال .........تكملة الايه ) علم يقينا انه ما وحد الله إلا الله ، وما عبده الا هو فاصبح هو سمعه وبصره ولسانه ...( اشاره الى الحديث القدسي ) نطق بها ابن الفارض قائلا : أنا المحب والمحبوب والحب جملة ..انا العاشق المعشوق سرا واعلانا ...وتارة أخرى قائلا : أن شئت أن تحيا وتحظى بقربنا ، تجرد وقم وانهض الى باب عزنا ...وقال سيدى ابى منصور الحلاج أيضا : والله ما طلعت شمس ولا غربت الا وحبك مقرون بانفاسي ، ولا جلست إلى قوم احدثهم الا وانت حديثى بين جلاسي ، ولا شربت الماء من عطش الا رايت خيالا منك فى الكاس ...
فهذا الحب السامى لا ينال من الكتب والدراسات ، وانما يدرك حقيقته أهل الذوق الرفيع ، قيل : من ذاق عرف ، ومن عرف من بحر الحقائق اغترف ...إذا فمن لم يتذوق لم يعرف !!!
اشار سيد الخلق صلى الله عليه وسلم إلى ذلك قائلاً لاصحابه ( أن صاحبكم ما سبقكم اليها بكثرة صلاة أو صيام ، وانما بشئ وقر في قلبه ) أشار بها إلى سيدنا إبى بكر ، وكانت اشارة منه إلى أن هذا الشيء هو الحب الذى لمس فؤاد إبى بكر وهو حب الله ورسوله..
قال أحد المحبين معبرا : وعزتك وجلالك لو بينى وبينك نهر من الجحيم لخضته اليك شوقا منى اليك .....وقال أحدهم : مساكين أهل الدنيا خرجوا منها ولم يذوقوا اطيب مافيها ، قيل : وما أطيب ما فيها ، قال : معرفة الله ومحبته ..( باب العشق الغزالى )
وجاء في الخبر أن الامام ابى حامد الغزالي بعدما اعتزل التدريس ببغداد ، وظل لمدة عشر سنوات متصوفا زاهدا محبا عاشقا ، فقابله أحد أصدقائه القدامى ووجده يرتدى الملابس الصوف وفي يده عكازه ، فقال له : يا غزالي أليس التدريس ببغداد كان افضل لك مما أنت عليه الآن ، فاجابه الغزالي قائلا : لما بزغ بدر السعاده....فى فلك الاراده ....وظهرت شموس الوصل....تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل وعدت لمصحوب أول منزل ...ونادتنى الاشواق مهلا فهذه منازل من تهوى رويدك فأنزل !!!
قد عبر الغزالي بهذه الكلمات عن حاله مع الله بأنه تجرد من هواه ، وعاد إلى هوى ومحبة خالقه فهو المحبوب القديم الازلى ، وبهذا الحب ترقى إلى مقامات العاشقين ، ومدارج الواصلين ..
وقد كان لأحدهم في الحب شطحات فقال :
رعيت له تسع وتسعون نعجة على سفح قلبي وهو يرعى فؤاديا....وجاءت فتاة الحي تمشي على حيا فقالت إن ابى يدعوك للبيت ساقيا ....فافهم يا خلى اشاراتهم عسى أن تصيبك نفحاتهم ...
ختاما ........ اللهم اجعلنا اهلا لمحبتك ، وجرد من قلوبنا محبة سواك ، وطيب اللهم برازخنا بشابيب رحمتك ومزن وصالك ....
وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد كامل النور وعلى اله وصحبه اجمعين

إرسال تعليق